الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣١ - صلته بالمتوكل
لم تكن عناية المتوكل هذه بالإمام أحمد لدافع ديني، فهو أبعد الناس عن تعاليم الدين، و لكنها أمور سياسية دعت لذلك، و ظروف خاصة اقتضت إظهار هذه المودة، لأن العامة أصبح لهم تعلق بشخصية أحمد، الأمر الذي جعل الدولة تلحظ ذلك، و تقيم له وزنا، كما أنه كان يساير الدولة.
و لقد كانت سياسة الدولة العباسية إبان قوتها تؤكد طابعها الديني، فقربت إليها العلماء و الفقهاء و المشتغلين بالعلوم الإسلامية، و كانت ترقب أيضا حركات فريق منهم، ممن يؤدي اشتهارهم بالعلم و الورع إلى تعلق الجماهير بهم، إذ قد يؤثّر ذلك في مركز الخلفاء، و قد يزعزع ولاء المسلمين لهم، فكان الخلفاء يهتمون بما يجري في حلقات الفقهاء و المحدثين، و يراقبون من يتعرّض منهم بالنقد للنظام القائم، و قد يبطشون به، كما رأينا في اهتمام المنصور بأمر الإمام الصّادق و محاولة القضاء عليه عند ما وقف (عليه السلام) موقف المعارضة لحكمهم، و وصفهم بحكام جور، و أئمة ضلال، و أمر بمقاطعتهم و الابتعاد عنهم.
و كذلك فعل الرشيد مع الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فقد اهتم بأمره و سجنه و عذّبه، حتى مات في السجن مسموما.
و قد رأينا ما لقيه أحمد نفسه من تعذيب و تنكيل عند ما خالف رأي الدولة، و أنه امتحن و نكل به، كما ستقف عليه قريبا، و بعد أن اتحد الرأي و تغير الوضع، فلم يكن من أمر أحمد ما يخشى منه على الدولة، بل كان يؤيد موقفها و يشد أزرها، فقد جاء في إحدى رسائله: و السمع و الطاعة للأئمة، و أمير المؤمنين، البر و الفاجر، و من ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه، و رضوا به، و من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، و سمي أمير المؤمنين، و الغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر و الفاجر، و قسمة الفيء، و إقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم و لا ينازعهم، و دفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برا كان أو فاجرا، و صلاة الجمعة خلفه، و خلف كل من ولّي، جائزة إمامته، و من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنّة، ليس له من فضل الجماعة شيء، إذ لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برّهم و فاجرهم، فالسنّة أن تصلي معهم ركعتين، و تدين بأنّها تامة، لا يكن في صدرك شك، و من خرج على إمام من أئمة المسلمين، و قد كان الناس اجتمعوا عليه، و أقرّوا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق عصى