الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٠٥ - سلوك الوالي مع الرعية
فأجابه (عليه السلام) بجواب طويل و رسالة مفصلة منها قوله: «فإني ملخص لك جميع ما سألت منه، إن أنت عملت به و لم تجاوزه رجوت أن تنجو إن شاء اللّه تعالى؛ أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لبه، و اعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلصت مما أنت متخوفه، و اعلم أن خلاصك و نجاتك في حقن الدماء، و كفّ الأذى عن أولياء اللّه، و الرفق بالرعية، و التأني و حسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، و شدة في غير عنف، و مداراة صاحبك و من يرد عليك من رسله، و ارتق فتق رعيتك بأن توافقهم على ما وافق الحق و العدل إن شاء اللّه.
و إياك و السعاة و أهل النمائم، فلا يلتزقنّ منهم بك أحد، و لا يراك اللّه يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لا عدلا فيسخط اللّه عليك ...».
و منها: «و لا تستصغرنّ من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية، ليسكن بها غضب اللّه تبارك و تعالى، و اعلم أني سمعت من أبي يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: ما آمن باللّه و اليوم الآخر من بات شبعانا و جاره جائع. فقالوا: هكلنا يا رسول اللّه. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من فضل طعامكم و من فضل تمركم و رزقكم تطفون بها غضب الرب ...
يا عبد اللّه إياك أن تخيف مؤمنا، فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أنّه كان يقول: من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه اللّه يوم لا ظل إلّا ظلّه».
ثم أخذ (عليه السلام) يوجه له نصائحه، و يذكر له مكارم الأخلاق و ما يلزم أن يتحلى بها كل مسلم، و يروي له أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك، و يختم جوابه بقوله:
«أوصيك بتقوى اللّه، و إيثار طاعته، و الاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم، فاتق اللّه و لا تؤثر أحدا على رضاه، و اعلم بأن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى، و أنه وصيتنا أهل البيت، فإن استطعت ألا تنال شيئا من الدنيا تسأل عنه غدا فافعل».
و ذكر الحلواني في نزهة الناظر أن كاتب المهدي المعروف بأبي عبد اللّه سأل الإمام الصّادق عما يستطيع به مداراة السلطان و تدبير أمره، فأجابه الإمام (عليه السلام) بما يرشده لذلك، و شرح له طرق السلوك في مداراة السلطان، و أوصاه بأمور هامة،