الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧٥ - المأمون
و في سنة ٢٠١ ه أحصى المأمون جميع العباسيين، فبلغوا ثلاثة و ثلاثين إلفا بين ذكور و إناث.
و كان المأمون يتحرى العدل، و يتولى بنفسه الحكم بين الناس و الفصل. جاءته امرأة ضعيفة قد تظلمت على ابنه العباس و هو قائم على رأسه، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه، فادّعت بأنه أخذ ضيعة لها و استحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين. فقال المأمون:
اسكت فإن الحق أنطقها و الباطل أسكته. ثم حكم لها بحقها، و أغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم [١].
و اشتهر عنه أنّه كان يقول: لو يعلم الناس ما أجد في العفو من لذة لتقرّبوا إليّ بالذنوب. و حدّث المرزباني: أن دعبل الخزاعي هجا المأمون بقوله:
أ يسومني المأمون خطة عاجز* * * أو ما رأى بالأمس رأس محمّد
إني من القوم الذين هم هم* * * قتلوا أخاك و شرفوك بمقعد
فطلبه المأمون فاستتر منه، إلى أن بلغه أنّه هجا إبراهيم بن المهدي بقوله:
إن كان إبراهيم مضطلعا بها* * * فلتصلحنّ من بعده لمخارق
فضحك المأمون و قال: قد وهبته ذنبه فليظهر. فسار إليه، فكان أول داخل عليه.
و لما قدم على المأمون و أمنه استنشده القصيدة الكبيرة، و هي الرائية و عدد أبياتها ٢٤ بيتا و مطلعها:
تأسفت جارتي لما رأت زوري* * * و عدّت الحلم ذنبا غير مغتفر
فأنكرها، فقال المأمون: لك الأمان أيضا على إنشادها فأنشدها، حتى إذا بلغ إلى قوله:
يا أمة السوء ما جانيت أحمد عن* * * حسن البلاء على التنزيل و السور
خلفتموه على الأبناء حين مضى* * * خلافة الذئب في أبقار ذي بقر
قتل و أسر و تحريق و منهبة* * * فعل الغزاة بأرض الروم و الخزر
[١] تاريخ ابن كثير ج ١٠ ص ٢٧٧.