الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٥ - الخلاصة
و أصحاب الحديث أيضا لا يلتفتون إلى قوله، و يرمونه بالاعتزال. فلما لم يقم له بالعراق سوق خرج إلى مصر، و لم يكن فقيه معلوم، فقام بها سوقه [١].
و يقول أيضا: عن علي بن حسين الرّازي قال: اجتمع في عرس هو و سفيان بن سحبان، و فرقد، و عيسى بن أبان، و أخذوا في مسألة غامضة و فيهم الشّافعي، فدخل في نكتة من المسألة غامضة، فظن الإمام الشّافعي أنّه فطن للمسألة. و لم يكن ذلك، فجرّه سفيان إلى أغمض منها حتى تحيّر، و لم يتهيأ له الكلام، فحكى ذلك لمحمّد فقال: ارفقوا به فإنه جالسنا و صحبنا، و لا تفعلوا به هذا [٢].
أما الأولون، فقد وصفوه بأنه قد أحدث في بغداد تغيّرا محسوسا، و قد ثقل مقامه على أهل الرأي، لأنه كان ينتصر لمذهب أستاذه مالك، و يدفع عنه، و حوّل أكثر المبرزين منهم إلى حلقته.
حدث الفضل الزجاج فقال: لما قدم الشّافعي إلى بغداد سنة ١٩٥ ه و كان في الجامع إما نيف و أربعون حلقة، أو خمسون حلقة. فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة و يقول لهم: قال اللّه و قال الرّسول. و هم يقولون: قال أصحابنا. حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره [٣].
و معنى هذا أن الدراسة توحدت للشافعي، و لم يبق لأهل الرأي مجال لمقابلة ذلك النشاط الذي لقيه الشّافعي. و هذا أمر موكول إلى صحة أحد القولين، و لا مجال لنا في تأييد جانب دون آخر؛ على أننا لا ننكر منزلة الشّافعي العلمية، كما لا ننكر مقابلته لأهل الرأي، مع أنا نعلم أنّه أخذ أكثر معلوماته عن محمّد بن الحسن الشيباني.
و على أي حال: فإن أكثر الروايات حول الشّافعي مضطربة- كما قدمت- و لكن مقتضى شرطنا في هذه الدراسة التعرّض لكثير من ذلك، و لنا الحق في المناقشة، و قد رأينا ترك هذا الموضوع، و نريد أن نلتحق بركب صاحبنا لمعرفة أخباره، و أكثرها كانت في مصر، و لنأخذ على ضوئها صورة عن طابع شخصيته.
[١] المناقب للبزاز ج ٢ ص ١٥٣.
[٢] نفس المصدر ج ٢ ص ١٥٠.
[٣] تاريخ بغداد ج ٢ ص ٦٨- ٦٩.