الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٥ - معاصرته للحكم الأموي
و قال (عليه السلام): «فلعن اللّه قاتله و خاذله، و إلى اللّه أشكو ما نزل بأهل بيت نبيه بعد موته، و نستعين اللّه على عدونا و هو المستعان».
و لم تمض على قتل زيد بن علي مدة من الزمن حتى وافته الأنباء بقتل ابن عمه يحيى بالجوزجان سنة ١٢٦ ه و صلب على باب المدينة، إلى أن ظهر أبو مسلم الخراساني فأنزله و دفنه.
و هكذا كان في كل آونة يقرع سمعه نبأ مفجع في أهل بيته و شيعته، فقد ملأوا بهم السجون، و صبغوا من دمائهم الأرض، و اهتزت بأجسادهم المشانق. و قد تلقى تلك الفجائع بصبر و ثبات، و عزيمة صادقة ..
و لا يغيب عن الأذهان عظيم استياء الإمام و محنته من جراء الانحراف العقائدي و السياسي، و بعد الأمة الإسلامية عن واقع الدين، و ابتعادهم من الناحية العملية عن الإسلام، و هو المسئول الأول عن التوجيه، و هداية الأمة.
و ما ذا يصنع و هو المحاط برقابة شديدة، و الدولة لا تنفك عن مقابلته بالشدة، و محاولة الفتك به بين آونة و أخرى. و قد نظر (عليه السلام) إلى واقع الأمر نظرة دقيقة، و سار على خطة محكمة و طريق سويّ في معالجة الأوضاع، و إصلاح المجتمع.
أما بقية حياته التي قضاها في العهد العباسي، و هي من سنة ١٣٢ ه إلى سنة ١٤٨ ه و هي سنة وفاته، و تكاد هذه المدة أن تكون في بدايتها خير عهد يشهده الإمام من حيث الحرية الكاملة، و رفع الرقابة المشدّدة، و لكن لم يطل الزمن حتى اشتد المنصور في معاملته، و عامله بقسوة لا مزيد عليها، حتى اغتاله بالسم في الخامس و العشرين من شهر شوال سنة ١٤٨ ه.
و خلاصة القول: إن الإمام عاش هذه المدة وسط معترك سياسي و فكري، و قد قام بواجبه الإصلاحي، و وجه الأمة إلى ما فيه سعادتها، و لم يخضع لتلك السلطات فيترك عمله، أو يتخلى عن المسئولية في أداء الرسالة، فلم يتزلف لملوك عصره فيسايرهم، أو يبرّر أعمالهم، بل كان دائما يسلك منهج آبائه في محاربة الظالمين، مظهرا سخطه عليهم، معلنا غضبه على أعمالهم، داعيا لمقاطعتهم، و كانت عليه من اللّه جنة واقية، فهو متسلح بإيمانه باللّه، متحمّل الأذى في سبيل الدعوة إلى اللّه.
و لا بد لنا هنا- إتماما للبحث عن حياته- من ذكر شيء من سيرته و بعض تعاليمه التي تتجلى فيها روح الصّلاح، و هو يضع في كل منها حجرا لأعظم الأسس التربوية.