الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٣ - معاصرته للحكم الأموي
لقد عاصر الإمام الصّادق (عليه السلام) ملوكا استفحل ضررهم على جميع الطبقات، و قد انحطوا إلى مهاوي الرذيلة، فارتكبوا المنكرات التي يندى منها الجبين، و يتصدع لها قلب ذوي الأنفة و الحمية على الدين، و هم يدعون الخلافة للمسلمين و لا يتصفون بأي صفة من صفاتها، فليس منهم أحد إلّا و هو ظالم في حكم، جائر على الرعية، مستبد بأموال الأمة، ينفقها في شهواته، اللّهمّ إلّا إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز فهو نجيبهم، إذ أظهر الزهد و الابتعاد عن الظلم. و بادر إلى محو السنة الأموية، و منع سب الإمام علي (عليه السلام) بعد أن أدخل في مناهج التعليم، و أعلنوا به على المنابر، و في الأندية و المجتمعات، لينشئوا جيلا قد تركزت فيه فكرة البغض لعلي و أولاده، فكان سب الإمام علي هو علامة الولاء للدولة، و البراءة منه دليلا على الإخلاص و عدم الخيانة، حتى تركزت في مخيلة كثير من الناس صور معاكسة للحقيقة، و نشئوا على التقليد الأعمى في اتباع ولاة أمورهم، و تصديق ما صدر عنهم.
قال أبو يحيى السكري: دخلت مسجد دمشق فقلت: هذا بلد دخله جماعة من الصحابة. فملت إلى حلقة فيها شيخ جالس. فجلست إليه، فقال له رجل جالس أمامه: من هو علي بن أبي طالب؟ فقال الشيخ: خفاق- يعني ضعيفا- كان بالعراق اجتمعت عليه جماعة. فقصد أمير المؤمنين (يعني معاوية) أن يحاربه، فنصره اللّه عليه.
قال يحيى: فاستعظمت ذلك و قمت، فرأيت في جانب المسجد شيخا يصلي إلى سارية، و هو حسن السمت و الصلاة و الهيئة، فقلت له: يا شيخ أنا رجل من أهل العراق، جلست إلى تلك الحلقة، ثم قصصت عليه القصّة.
فقال الشيخ: في هذا المسجد عجائب، بلغني أن بعضهم يطعن على أبي محمّد الحجاج بن يوسف، فعلي بن أبي طالب من هو [١]!؟.
هكذا أثرت قوة الدعاية في مجتمع يتقبل تلك الأباطيل و المفتريات، لضعف الإيمان. و كم للدعاية من أثر في توجيه الناس إلى ما تهدف إليه السياسة، من تحقيق أهداف و بلوغ مآرب، حتى حملوا السّذج على الاعتقاد بكل ما يوحى إليهم، حتى ارتبطت في نفوس بعض الناس ارتباطا وثيقا، فهي لا تقبل الرد و المعارضة. أما البعض الآخر فقد خضعوا لتلك الأوهام تحت ضغط الإرهاب و قوة الحكم الغاشم.
[١] المدخل إلى مذهب أحمد بن حنبل ص ٥ نقلا عن تاريخ ابن عساكر.