الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥ - صمود مذهبه أمام الحكام
و أسندوا إلى الشيعة ما ليس من عقائدهم، و أوعزوا إلى الوعّاظ في المساجد، و القصاص في الطرقات، و إلى العلماء المرتزقة الذين يطلبون ود السلطان طلبا لمنفعة، و استدرارا لنعمة، و حيازة لصلة الملوك ليقوموا بكل ما يأمرونهم به من مخالفة الحق، باتهام الشيعة: بأنّهم يكفّرون جميع الصحابة (و العياذ باللّه) و أنهم لا يعملون بالقرآن ... و ألزموهم بأن يذكروا ذلك محفوفا بشواهد يتقبلها السذج و عوام الناس، حتى تمكنت في نفوسهم، و لهجت بها ألسنتهم، كأنها حقيقة لا تقبل أي جدل و نقاش.
و بدون تفكير و تدبر انتشرت في ذلك المجتمع السائر في ركاب الدولة فكرة بغض الشيعة، و أنّى لذلك المجتمع بأن يظفر أفراده بالتفكير الحر و تحكيم العقل، و قد فرضت السلطة عليهم تلك الافتعالات بقوة قاهرة، لا يستطيعون لها دفعا و لا يجدون.
عن الإذعان لها سبيلا، و الناس مع القوة عند ضعف الإيمان، و لكن الحق لا بد أن يظهر مهما طال الزمن و ادلهمت الخطوب.
و على أي حال فليس من العسير أن يقف المتتبع على بواعث تلك الافتعالات التي أوجدتها عوامل السياسة، و قوة الإرهاب، و سلطة الاستبداد، التي شوهت الحقيقة، و غيّرت مجرى الواقع، و إن الوقوف أمام ذلك التيار أمر لا يتحمّله إلّا رجال الفكر و حاملو ثقل العقيدة الإسلامية.
و صفوة القول أن المذهب الجعفري قد انتشر على وجه البسيطة، و لم تقف أمامه تلك المحاولات التي بذلها رجال السلطة و أعوانهم في محوه و الوقوف أمام انتشاره، و لم تقض عليه كما قضت على بقية المذاهب التي لا يروقها انتشارها، كما لم تقف أمامه تلك المجازر و الفظائع السود التي يقوم بها خصومه.
و قد أشرنا فيما سبق من أجزاء الكتاب إلى عوامل إنشاء المذاهب و اختيار رؤسائها، و لذا لزم أن ننبّه هنا إلى أن تسمية «المذهب الجعفري» لم تكن على منوال التسميات الأخرى التي تتعلّق بإرادة السلطان، و إنما كانت هذه التسمية نتيجة لنشاط مدرسة الإمام الصّادق و صورة لرعايته لطلّابه و منتسبي مدرسته. فكما أشرنا سابقا أنّه (عليه السلام) كان يتحرى قابلياتهم و يتولى توجيههم و رعايتهم و حثّهم على العمل و العلم فيسمعهم أرق عبارات الود و أعذب ألفاظ الاحترام، و كان يسميهم «أصحاب جعفر بن محمّد» و يسعى إلى ذيوع تميزهم في الفقه و استقلال أقوالهم، و كان (عليه السلام)