الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٣ - صلته بالإمام الصّادق
صلته بالإمام الصّادق:
اتصل هشام بمدرسة الإمام الصّادق (عليه السلام) و أصبح من أبرز رجالها في الحكمة و الدراية، و العرفان، و الفقه، و الحديث. و يقال: إنّه كان قبل اتصاله بالإمام يذهب إلى رأي جهم بن صفوان [١]، و لكنه تركه عند ما اجتمع بالإمام الصّادق (عليه السلام) في مدينة الوحي، و قد اكتظ المجلس بوفود الأمصار و طلّاب العلم، فرأى من هيبة الإمام و روحانيته، و سمع ما طرق سمعه من أجوبته لسائليه، و حسن بيانه و عذوبة ألفاظه، ما أفقده الاعتزاز بنفسه، و عرف عجزه عن مقابلته في مسائله.
و كان الإمام الصّادق (عليه السلام) قد عرف هشاما و سمع به من قبل، فاتجه إليه ليوجهه إلى الحق، و يرشده إلى الهدى، فألقى إليه سؤالا بما كان قد اختص هشام به، فلم يستطع الجواب عنه، و عرف الحق فاتبعه «و الحق أحق أن يتبع».
و انقطع إلى الإمام الصّادق (عليه السلام) فأصبح من خواصه، و من أبرز رجال مدرسته، فكان من أشهر رجال العلم، و من أبطال الفلسفة، يمثل في مواقفه البطولة و الجرأة الأدبية، يسير مع الحق أينما سارت ركائبه. و فاز بالتفوّق على مناوئيه بواضح الحجّة، و ساطع البرهان، و استجاب اللّه دعوة الإمام الصّادق فيه: «يا هشام ما زلت مؤيدا بروح القدس».
كان هشام شديد الإخلاص، قوي الإيمان، راسخ العقيدة، يدافع عن مذهب أهل البيت، و يتشدّد في مناقشته للخلافات المذهبية، و تفنيد آراء المتكلمين من سائر الفرق الإسلامية الذين تأثّروا بانتقال الفلسفة اليونانية. و كان يخرج منتصرا في جميع مواقفه، لما عرف فيه من قوة الحجّة وسعة التفكير، و بذلك أصبح في خطر من قبل الدولة- كما هو شأن المفكّرين و أهل الآراء الحرّة من أمثاله- و قد عرف هشام بشدة مناظرته في الإمامة، و انتصاره للعلويين، و هم خصوم الدولة و أهل الحق الشرعي.
و قد خشي الرشيد من اتساع نشاط هشام، و تفوّقه على أكثر المفكّرين من رجال عصره. فحاول الفتك به و القضاء عليه.
[١] جهم بن صفوان إليه تنسب الفرقة الجهمية، ظهرت بدعته بترمذ و قتله سلم بن أحوز المازني بمرو، آخر الدولة الأموية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية و زاد عليهم: أنه لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقتضي تشبيها، فنفى كونه حيا عالما، و أثبت كونه فاعلا خالقا لأنه لا يوصف شيء بالفعل و الخلق. إلى آخر أقواله في الملل و النحل ج ١ ص ١١٣.