الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠٣ - دعوة الإمام الصّادق للخلافة
الهائج، لأن في ذلك ضياع المصلحة التي يحرص عليها، و إهدار للدماء من غير نتيجة مرضية. و لقد عاش (عليه السلام) و هو غير بعيد عن مجتمعه الذي يعيش فيه، و قد عرف مقدرتهم الحربية فلا يمكنه الركون إليهم و الاعتماد عليهم لأنّهم لا ينتصر بهم في حرب، و لا يثبتون في شدة. و أهل الثبات و الصدق قلّة في مواجهة قوة الحكام الغاشمة، و لكل دم من آل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رسالة، فلو لا دم الحسين جدّه لتمكنت أمية من تحقيق ردّتها و تغليب جاهليتها، و ها هم آل الرّسول يحامون عن وجودهم من دون إعلان للثورة، فلما ذا يقدم نفسه و شيعته طعمة سهلة و لقمة سائغة. و سعي الناس إلى الرضا من آل محمّد لا يكف، و ثوراتهم لا تتوقف، و لكن ما وهبه اللّه من محبة في النفوس و انقياد إليه لا يبرر التعرّض لأهل القوة و السلطان، كما لا يكفي الهياج في الأحاسيس و المشاعر. وحدها خطة الإصلاح و الدعوة إلى التمسّك بأهداب الإسلام هي التي تكفل للمؤمنين النجاح و البقاء.
و لم يكن أبو سلمة معروفا بولائه الصحيح، و عقيدته الصادقة فيكون محل ثقة الإمام ليستجيب له، و لو استجاب لكانت العاقبة أدهى و أمرّ، كما اتضحت الحالة و ظهرت الحقائق.
و صفوة القول إن الإمام الصّادق (عليه السلام) قد اعتزل ذلك المعترك السياسي، لا عن خضوع و تسليم، بل كان انعزال ثورة و تصميم، فقرّر أن يدعو إلى اللّه، لتوجيه الوعي الإسلامي بالقوة الروحية التي جعلها الإسلام هي الأساس الوحيد للحياة الدنيا، و هو أقوى أثرا في اندفاع الإنسان إلى العمل. و الشعور بالمسؤولية، و أن يقوم المصلحون بالدعوة الصامتة، فهي أنجح الوسائل في التبليغ، و أقرب الطرق لهداية الناس.
إذا ما هي الدعوة الصامتة؟ ...