الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٨ - انطباعات مالك بن أنس
الإسلام، و بطل من أبطال الثورة على الظلم، و من أباة الضيم، إنه يكشف عن منزلة الإمام في نفسه، و اعتقاده فيه، و هو معاصره، و أكبر منه سنا، و كذلك يكشف للناس و يبين لهم منزلة الإمام الصّادق، فهو يرى أنّه حجة اللّه في ذلك الزمان، و أن الهداية في اتباعه و الضلال في خلافه، و أن اللّه لا يحتج إلّا بمن بلغ درجة الكمال النفساني، و ارتقى أعلى منزلة من طاعة اللّه و امتثال أوامره، فابتعد عن الدنيا و زينتها، و صدف عن زخارفها، و أخلص للّه فاستخلصه و طهره من دنس العيوب و كدر الذنوب.
انطباعات مالك بن أنس:
و يقول مالك بن أنس: اختلفت إلى جعفر بن محمّد زمانا فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال: إما مصليا و إما صائما و إما يقرأ القرآن، و ما رأيته قط يحدّث عن رسول اللّه إلّا على طهارة، و لا يتكلّم بما لا يعنيه، و كان من العلماء العبّاد و الزهّاد الذين يخشون اللّه [١].
هذه شهادة مالك و انطباعاته عن شخصية الإمام، و مالك هو رئيس مذهب من مذاهب الإسلام المعمول بها حتى الآن، و كان معاصرا للإمام الصّادق و من تلامذته.
و الذي يعنينا من هذه الكلمة قوله: إنه كان من العلماء العباد و الزهّاد، الذين يخشون اللّه. فالعلم وحده غير نافع بدون عمل، فالإمام الصّادق عالم عامل زاهد في الدنيا يخشى اللّه و يتبع أوامره، و إنما يخشى اللّه من عباده العلماء، و لم يمنعه زهده و تبتله عن الكسب و طلب المعاش من وجوه المشروعة مع الإجمال في الطلب و الاعتدال في الإنفاق و أداء الحقوق، كما أنه ينهى عن الكسل و البطالة، و يمقت صاحبها و يفضل رجل العمل و يشجعه عليه. كما دلّت سيرته على ذلك.
فالإمام مالك يكشف لنا انطباعاته عن الإمام الصادق، و ما عرفه عنه و ما اعتقده فيه، بأنّه لا ينفك عن عبادة اللّه و تلاوة كتابه، و لا يتكلم بما لا يعنيه، و كان من العلماء العبّاد و الزهّاد الذين يخشون اللّه، و ناهيك بما وراء الخشية من اللّه و العمل بطاعته، فهي أعظم درجة و أرقى منزلة لدعاة الخير و أئمة الهدى، و هو فرع من الشجرة النبوية التي طاب غرسها و زكى ثمرها، قد التقى فيه شرف النسب و شرف النفس، و عزة
[١] مالك بن أنس، للخولي ص ٩٤. و كتاب مالك لمحمّد أبو زهرة ص ٢٨ نقلا عن المدارك للقاضي عياض ص ٢١٢.