الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢٠ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
خواتيم، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهنّ فسأل عن ذلك فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء و الصبيان. ففعلوا ذلك و استباح الزنوج نساء البلد، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب في اليوم الرابع و بين يديه الحراب و السيوف المسلولة، فاعترضته امرأة و أخذت بعنان دابته فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك فقالت له: أ لست ابن عم رسول اللّه؟ أ ما تأنف للعربيات المسلمات!. فأمسك عن جوابها، و سيّر معها من يبلغها مأمنها، فلما كان من الغد جمع الزنوج للعطاء و كان عددهم أربعة آلاف فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم [١] إلى غير ذلك من الأمور التي جرت في عهده على قلة أيامه.
أما في عهد المنصور فكان الأمر أدهى و أمر، فقد واجه الناس في عهده ألوانا من الظلم، مما لا عهد لهم به من قبل، كما صبّ جام نقمته على العلويين، فعاملهم معاملة لم يشهد التاريخ مثلها، و طاردهم و ضيّق عليهم الدنيا، و أذاقهم أنواع الأذى و ضروب المحن، فلم يرحم كبيرا، و لم يعطف على صغير، و لم ينكسر لصوت ثاكل و نياح امرأة.
و مع هذا كله فقد كان يسبغ على أعماله أبراد القداسة، و ينتحل السلطان الشرعي، و أن ما يفعله بإرادة اللّه و إذنه، فقد صرح بذلك على المنبر في عدة مواطن، و كما جاء في بعض خطبه يوم عرفة بقوله:
أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه و تسديده، و أنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته، و أعطيكم بإذنه، فقد جعلني اللّه عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم و قسم فيئكم فتحني، و إذا شاء أن يقفلني أقفلني، فارغبوا إلى اللّه أيها الناس، و سلوه في هذا اليوم الشريف أن يوفقني للصواب، و يسددني للرشاد، و يلهمني الرأفة فيكم، و الإحسان إليكم [٢].
فأنت ترى أن المنصور يحاول أو يوجه الناس إلى الاعتقاد بشخصيته، اعتقادا يجعلهم يؤمنون بصحة أعماله، لأنها تصدر بمشيئة اللّه، إذ جعله واليا للأمر، حاكما للأمة، ليركز بذلك عرشه الذي بات يضطرب فوق تيارات المؤاخذات، بل الثورات
[١] الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ٢١٢ حوادث سنة ١٣٥ ه.
[٢] الطبري ج ٩ ص ٣١٠.