الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢٩ - نبوغه و شهرته
لأنه كان في ضنك عيش، يتحمل في سبيل ذلك المتاعب، إذ لم يكن له كافل من أسرته كما تقدم بيانه. كما أنه لم يتمكن من الرحلة إلى الشافعي في مصر إذ وعده بذلك.
نبوغه و شهرته:
و نبغ أحمد في مجتمعه، و عرف بين أقرانه، و لكن شهرته لم تكن تبلغ حدها الذي بلغت إليه في آخر حياته إلّا بعد وقوع المحنة، فهو في ذلك المجتمع الذي كان يزخر برجال العلم و حملة الحديث لم يكن مبرزا، أو له شهرة تفوق غيره، لذلك لم يكن في أول الأمر معدودا في قائمة الرجال من أهل العلم الذين تهتم الدولة في موافقتهم بمشكلة خلق القرآن، أو يسوؤها مخالفتهم، فقد جاء في كتاب المأمون الأول ذكر جماعة من العلماء، و لم يكن أحمد فيهم، و لكنه ورد بعد ذلك.
و مهما يكن من أثر الأسباب في شهرة أحمد فإن ذلك لا يتعدى حدود صموده في الامتناع عن القول بخلق القرآن، و كما سيأتي أنه لم يكن الوحيد في ذلك، فإن جماعة من العلماء، قد وقفوا موقفا مشهودا، و قد تحملوا في سبيل ذلك الأذى، و قد تجرعوا الغصص؛ و كانت خاتمة المطاف أن لقوا حتفهم في السجون، و تحت ضرب السياط و حد السيوف.
و بطبيعة الحال أن يكون ذلك الصراع العقائدي قد فسح المجال لمعرفة الأشخاص الذين يبرزون في هذا الميدان، و من حسن الحظ أن يبقى أحمد إلى عهد المتوكل، الذي غير مجرى الحوادث بمحاولته جلب الرأي العام الذي كان مستاء من تصرفات المعتزلة، و شدة سطوتهم، و تنكيلهم بمن يخالف عقيدتهم، فكان انتصار المتوكل للمحدثين قد أحدث انقلابا في سياسة الدولة و توجيه الرأي العام، فانهزم المعتزلة، و انتصر المحدثون، و سطع نجم أحمد في ذلك الأفق المتلبّد بسحب الخلافات و المنازعات العقائدية، و اتجه الرأي العام إلى تعظيمه، و الالتفاف حوله، و قد أبدى المتوكل عنايته التامة في احترام أحمد و تعظيمه، و أصبحت له منزلة سامية، و ظهر أتباعه بمظهر العظمة. كما ظهر المتوكل بمظهر محيي السنة، و راحوا يمجّدون عرشه و يبالغون في مدحه، و لم يقصّر هو في رعايتهم و الاعتماد عليهم، فبدأت موجة من الكبت و الاضطهاد كانت رد فعل لما وقع فيه المعتزلة الذين كانوا يدعون إلى حرية