الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٣ - التلفيق
المقلّدين لضعف ثقتهم بأنفسهم و سوء ظنّهم بالناس و زعمهم عكس ما يقول أصحاب النشوء و الارتقاء من دعواهم أن العقل دائما في تدن و انحطاط، و غلوهم في تعظيم السابقين ... [١].
و قد تقدم في الجزء الأول بعض ما يتعلّق بمسألة الاجتهاد و التقليد و ذكرنا هناك آراء كل من الفريقين من العلماء المعاصرين و غيرهم.
التلفيق:
و هو الأخذ برأي إمام في مسألة، و العدول عن رأيه إلى رأي غيره في مسألة أخرى. و قد وقع الخلاف في جوازه و منعه.
و قال الشاطبي: إنّه ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف، كما إذا اختلف المجتهدون على قولين، فوردت كذلك على المقلّد، فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيرا فيهما، كما يخير في خصال الكفّارة، فيتبع هواه و ما يوافق غرضه.
إلى أن يقول: و قد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال، اتباعا لغرضه و شهوته، أو لغرض ذلك القريب و ذلك الصديق. ثم أورد قصصا عن القضاة و المفتين الذين طلبوا الرخص في الفتوى، نزولا لرغبة السلطان أو الأصدقاء و الأقارب، كقصة قاضي قرطبة الذي قضى بما يرضي المخلوقين، و قصة يحيى بن لبانة عند ما عزل عن القضاء لسقوط عدالته، و لكنه عاد إلى المنصب عند ما أفتى الخليفة بما يرضيه [٢].
و أجاز ذلك آخرون. و قد نسبوا التخير في القولين، و تتبع الرّخص لأكثر أصحاب الشافعي. و قد منع الحنفية ذلك، و لكنه واقع عندهم في أكثر الفتاوى.
و استدل المجوزون: بما فعله أبو يوسف من التلفيق، و ذلك أنّه لما صلّى بالناس الجمعة، فأخبر بوجود فارة في ماء الحمام الذي كان قد اغتسل منه للجمعة، فقال:
نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا) [٣].
و كان أبو يوسف و محمّد بن الحسن- و هما عماد المذهب الحنفي- يكبّران في
[١] يوم الإسلام ص ١٨٩.
[٢] الموافقات ج ٤ ص ١٣٧- ١٤١.
[٣] القول السديد ص ٢٤.