الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦١ - حجّة المقلّدين
استنباط الحكم، و كلما طال الزمن اتسع نشاط هذا الرأي و كثر الإنكار على من يقول بغلق باب الاجتهاد.
ذكروا يوما في مجلس السيد جمال الدين الأفغاني [١] قولا للقاضي عياض، و اتخذوه حجة، و اشتد تمسّكهم بذلك القول حتى أنزلوه منزلة الوحي، بأنّه لا يأتيه الباطل لا من خلفه و لا من أمامه.
فقال جمال الدين: يا سبحان اللّه إن القاضي عياض قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله، و تناوله فهمه و زمانه، أ فلا يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب للحق و أوجه و أصح من قول القاضي عياض أو غيره من الأئمة؟.
و ذكروا أن باب الاجتهاد مسدود لتعذّر شروطه.
فتنفّس جمال الدين الصعداء و قال:
ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ و بأي نص سد باب الاجتهاد، أو أي إمام قال لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد ليتفقه بالدين؟! و أن يهتدي بهدي القرآن، و صحيح الحديث، أو أن يجدّ و يجتهد لتوسيع مفهومه منها، و الاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية و حاجيات الزمان و أحكامه، و لا ينافي جوهر النص.
إن اللّه بعث محمّدا رسولا بلسان قومه العربي يفهمهم ما يريد إفهامهم، و ليفهموا منه ما يقوله لهم وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ.
و قال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ و في مكان آخر إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
فالقرآن ما أنزل إلّا ليفهم، و لكي يعمل الإنسان بعقله لتدبّر معانيه. و فهم أحكامه، و المراد منها [٢].
[١] السيد جمال الدين بن صفتر أو صفدر ولد سنة ١٢٥٤ ه ١٨٣٨ م، و توفي يوم الثلاثاء ٩ مارس سنة ١٨٩٧ م ١٣١٤ ه بالآستانة، و ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي (عليهما السلام)، و عشيرته قوية في الأفغان، و هم محل احترام و تقدير الأفغانيين، و نشأ جمال الدين بينهم و سافر إلى البلاد الإسلامية يدعو للإصلاح، و لقي أذى كثيرا في سبيل ذلك من أعلام النهضة و رجال الحرية. ترك منهجه واضحا عند الكثيرين و كان له الفضل في بعث روح الفكر و تجديد حركتها بالتصدي للجمود و التعصب.
[٢] خاطرات جمال الدين للمخزومي ص ١٧٧- ١٧٨.