الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٩ - الحسين صاحب فخ
حمله رجل خراساني و هو ينادي بالبشارة، حتى ألقى الرأس بين يديه، و هو مضروب على الجبهة و القفى، فجمعت رءوس القتلى فكانت مائة و نيفا [١] و أفلت إدريس بن عبد اللّه، فأتى مصر و على بريدها أفلح مولى صالح بن منصور، فحمله إلى المغرب فبايعه الناس و أسّس هناك دولة [٢].
حدث أبو القرناء قال: أرسلني موسى بن عيسى (قائد الجيش) فقال: اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه و تخبرني بكل ما رأيت. فذهبت فدرت، فما رأيت خللا و لا فللا، و لا رأيت إلّا مصليا أو مبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معدا لسلاح، قال فجئت فقلت: ما أظن القوم إلّا منصورين. فقال: و كيف؟
قال: فأخبرته. فضرب يدا على يد، و بكى حتى ظننت أنه سينصرف، ثم قال:
هم و اللّه أكرم خلق اللّه و أحق بما في أيدينا منا.
كان هذا الحادث من أهم الحوادث التي شغلت بال الدولة، و أقضّت مضاجع ذوي الأمر، لأنها كانت في أهم مركز إسلامي و هو الحجاز. لذلك أسرع الهادي في مقاومة تلك الحركة خوفا من اتساعها في البلاد الإسلامية.
و تتابعت ثورات العلويين غضبا للحق، و من أهمها- أيضا- ثورة يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الديلم، و قد قويت شوكته، فاحتال الرشيد عليه بإعطائه الأمان، و نقضه بعد ذلك، فسجنه و ضيق عليه إلى أن مات في السجن، و وجد جسده معلقا قد سمّرت يداه. و مضى العباسيون في سفك دماء العلويين، و شرّدوهم في البلاد بدون رحمة و لا وازع ديني.
و على أي حال فقد كان مجتمع ذلك العصر يموج بعناصر مختلفة، و كانت بغداد هي موطن الحكم و عاصمة المملكة، و حاضرة العالم الإسلامي، و قد قصدها كثير من علماء اليونان و الفرس و الهنود، و نقلت كتب الفلسفة إلى العربية. و ظهر علم الكلام و نضج، فكثرت حلقات الجدل و الخصومات، و ظهرت آراء شاذة، و عقائد فاسدة أثرت على عقول من لا تقوى نفوسهم على هضمها و احتمالها، فكونت هناك فوضى فكرية و اضطرابا و حيرة. و نشطت هنالك حركة المتداخلين في الإسلام، لبثّ
[١] تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٤٥٧.
[٢] نفس المصدر.