الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٩ - انطباعات أبي حنيفة
الإيمان و قوة الحق، و هو من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهّرهم تطهيرا. نعم إنّه من السابقين إلى الخير و الداعين إليه رغبة بما وعد اللّه، فهو لم يأل جهدا في التوجيه الصحيح، و حرصه على هداية الأمة إلى سواء السبيل.
انطباعات أبي حنيفة:
و قد كشف لنا أبو حنيفة قبله انطباعاته عن الإمام الصّادق، و ما عرفه عنه، و أنّه ما رأى أفقه منه بقوله:
ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من المسائل الشداد. فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر المنصور و هو بالحيرة، فدخلت عليه و جعفر بن محمّد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت و أومأ فجلست، ثم التفت إليه قائلا: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة. فقال (عليه السلام): «نعم أعرفه». ثم التفت المنصور فقال: يا أبا حنيفة الق على أبي عبد اللّه مسائلك. فجعلت ألقي عليه، فيجيبني فيقول: «أنتم تقولون كذا، و هم يقولون كذا، و نحن نقول كذا» فربما تابعنا و ربما تابعهم و ربما خالفنا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، ما أخل منها مسألة واحدة، ثم قال أبو حنيفة: أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس [١].
و هذه القضية تبيّن لنا انطباعات أبي حنيفة عن الإمام الصّادق، و ما عرفه عنه، و أنّه ما رأى أفقه منه، و هو أعلم الناس لعلمه باختلاف الناس، و نحن نستظهر من هذه القضية ثلاثة أمور:
١- اهتمام المنصور بشأن الإمام الصّادق، لأن الناس افتتنوا به على حد تعبيره، عند ما اشتهر ذكره، حتى سارت به الركبان، و المنصور يعدّ هذا خطرا على دولته، لأنه لا يريد أن يلتف الناس حول الإمام الصّادق، فذلك يثير مخاوفه منه و يجعله حذرا، و لا يروق له تعلّقهم بالإمام الصّادق، و انتشار علمه الذي بلغ كل بقعة أنارها الإسلام، كما تنبئ عنه معاملته معه و تشدّده عليه، و ترقبه فرصة الفتك به و القضاء عليه.
[١] مناقب أبي حنيفة للمكي ج ١ ص ١٧٣. و جامع مسانيد أبي حنيفة ج ١ ص ٢٥٢. و تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ١٥٧.