الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢٨ - ولادته و نشأته
أما أمه فيقال أنها شيبانية أيضا، و اسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني، و قيل أنها ليست بشيبانية.
و على الجملة فقد نشأ أحمد يتيما في حجر أمه، و هي التي تولت تربيته، لأنها دخلت به بغداد حملا فولدته، و ليس له كافل غيرها. و ما يقال من أنه كان يعيش على عقار أبيه في بغداد، فهو قول بغير مستند.
و لا نعلم هل أن عمه تولى شئونه لأنه كان حيا عند ما قدمت أم أحمد من خراسان، و كان عمله إيصال الأخبار إلى الولاة بأحوال بغداد، ليعلم بها الخليفة إذا كان غائبا عنها، و كان أحمد يتورع عن حملها، و إيصالها إلى الولاة.
و نشأ أحمد ببغداد و تربى بها تربيته الأولى، و كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، و عاصمة دولته، و هي تموج بأناس اختلفت مشاربهم، و تخالفت مآربهم، و زخرت بأنواع المعارف و الفنون، و كانت تموج برجال العلم و حملة الحديث، ففيها القراء و الفقهاء و المتصوفة، و علماء اللغة، و الفلاسفة، و المحدثون، و قد توجه إلى علم الحديث، بعد أن قرأ القرآن و تعلّم اللغة و الكتابة، و لقد قال هو في ذلك: كنت و أنا غلام أختلف إلى الكتّاب، ثم اختلفت إلى الديوان و أنا ابن عشرة سنين.
ثم اتجه إلى طلب العلم و هو ابن خمس عشرة سنة، و بعد ذلك رحل إلى الأقطار، و كتب عن شيوخها، و أخذ عن الشافعي و اتصل به اتصالا وثيقا، و قويت بينهم عرى المودة، و لازمه مدة إقامته في بغداد، و كان يعترف للشافعي بعلو المنزلة و يقول: ما من أحد مس بيده محبرة و قلما إلّا و للشافعي في عنقه منّة. و قال: إنه لم يبت مدة ثلاثين سنة إلّا و يدعو للشافعي و يستغفر له.
و كان أول تلقيه العلم على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة ١٨٢ ه فقد قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف [١].
و ابتدأ رحلاته لتلقي الحديث في سنة ١٨٦ ه فرحل إلى الحجاز، و البصرة و اليمن، و الكوفة، و كان يود أن يرحل إلى الري ليستمع إلى جرير بن عبد الحميد، و لم يكن قد رآه في بغداد، و لكن أقعده عن الرحلة إليه عظيم النفقة عليه في هذا السبيل، و كان يقول: لو كان عندي تسعون درهما لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد
[١] المناقب لابن الجوزي ص ٢٢.