الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٣ - نظرة في التعصّب المذهبي
نظرة في التعصّب المذهبي:
و قد رأينا كيف تغلّبت روح التعصّب المذهبي الشديد، كما تغلّبت الفكرة القائلة بتحريم تقليد غير المذاهب الأربعة. و تطورت الدعوة إلى ذلك بصورة واسعة و أخذ نشاطها يزداد حتى جعل من قلّد غير هذه المذاهب خارجا عن الدّين. فكان هناك نزاع و احتدام و تعصّب حتى بين معتنقيها، أدّى إلى معارك دامية، و اتّهام البعض للبعض الآخر و تكفير قوم لآخرين، حتى قال قائل الحنفية: لو كان لي الأمر لأخذت الجزية من الشافعية [١].
و أصبح كلّ يحتكر الإيمان باللّه و التصديق بنبيّه لأبناء مذهبه. و أن الجنّة وقف عليهم و لا نصيب لأحد فيها معهم، خلافا لما جاء به النبي (ص) و خروجا على تعاليم الإسلام حتى قال أحد الحنابلة: إنه من لم يكن حنبليا فليس بمسلم.
و قد اندفع المتطرّفون من معتنقي المذاهب الأربعة لبذل جهدهم في جعل رئيس مذهبهم هو المؤسّس لعلوم الإسلام، و المرجع الأعلى للتشريع، و أن العلم مقصور عليه، و الاجتهاد لا يليق إلّا به. و قد استنفدوا كل إمكانياتهم في تصويره بصورة لا تشبهها صورة (فهو ملك بصورة البشر) [٢] و تمسّكوا بأقوال أئمتهم تمسّكا جعلهم يقدّمونها على كتاب اللّه و سنّة رسوله [٣] فكان يقال لهم: قال رسول اللّه فيقولون: قال فلان [٤]- أي رئيس المذهب- و يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم [٥].
و على أي حال فإن تلك الاتجاهات التي سار عليها المتعصّبون للمذاهب، قد استولت على كثير من أتباعها، و قد يكون ذلك نتيجة للظروف التي مرّت بها الأمة الإسلامية، من تدخّل عناصر خارجة عن الإسلام، لتشويه سمعة المسلمين و الإساءة إلى المجتمع، من بث روح الفرقة و إثارة الشغب، و من المؤسف أن نجد البعض (قدمهم على الأنبياء عند تعارض كلامهم- أي أئمة المذاهب- مع الحديث الصحيح،
[١] مرآة الزمان القسم ١ ج ٨ ص ٤٤.
[٢] أبو حنيفة للسيد عفيفي المحامي ص ٦.
[٣] همم ذوي الأبصار ص ٥١.
[٤] توالي التأسيس للحافظ ابن حجر ص ٧٦.
[٥] الاعتصام للشاطبي ج ٣ ص ٢٥٩.