الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٥ - طريق الأصول للمذاهب
المسائل، على أنا نقطع بأن كثيرا من الحوادث و الوقائع لم يكن لأبي حنيفة فيها رأي، و لكن استنبطها المجتهدون المتأخّرون عنه، بل لم تكن فيها رواية عن أبي يوسف و غيره من الطبقة الأولى من مجتهدي المذهب، فنسبت تلك المسائل التي استخرجها المتأخّرون إلى المذهب باعتبار أن هؤلاء مجتهدون في المذهب فحسب، و إن كانت لهم ملكة الاستنباط و الاستدلال و القوة في الاجتهاد.
و من مجموع تلك الأقوال التي صدرت عن أبي حنيفة و أصحابه، و ما خرّجه المتأخرون تكوّن المذهب الحنفي. فأصبح المجموع ينسب لأبي حنيفة. و الظاهر أن منعهم اجتهاد أي أحد، و الالتزام بقول إمام المذهب، لا يعود لأبي حنيفة وحده، و إنما هو لأبي حنيفة و أصحابه معا.
طريق الأصول للمذاهب:
إن أصول الفقه للمذاهب قد اتفقت طريقتهم في الأصول في الجملة، و إن أصولهم لم تكن كأصول المذهب الشافعي، فهو يعد في الواقع أصلا لأصولهم و إن خالفوه في كثير منها.
فالحنفية قد اتفقت طريقة استنباطهم في الجملة مع أصول الاستنباط عند الشافعي، و كذلك المالكية اتحدت طريقتهم مع أكثر ما جاء في رسالة الشافعي، و الخلاف بينهم و بينه أكثر مما بينه و بين الحنفية، و قد تجاوز الخلاف التفصيلات إلى بعض الأصول العامة، فعمل أهل المدينة حجة عندهم. و قد شدّد الشافعي عليه في رده في مواضع كثيرة من كتاب «الأم».
و الحنابلة قد أخذوا بأصول الشافعي، و لكنهم لم يتصوروا إجماعا غير إجماع الصحابة، و في التحقيق أنّهم- و إن خالفوا الشافعي في ظاهر الأصل- فإنهم لم يتعدوا روح الرأي عند الشافعي، لأن الشافعي- و إن أطلق حجية الإجماع- فلم يفرضها في عصر و لا في أمر، فالفرق في الإجماع بين الشافعي و أحمد ليس كبيرا، و إن كان في ظاهر القول لا يبدو صغيرا.
و من هذا نرى المذاهب الأربعة تتلاقى أصولهم و تتقارب ينابيع استنباطهم، و لا تتباعد، و إن جاءت الفروع مختلفة اختلافا كبيرا في بعض الأحيان [١].
[١] الشافعي لأبي زهرة ص ٣٣٠.