الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٧ - الخلاصة
و حدث من وراء ذلك فتن و مشاغبات بين المذاهب، كما حدث للسمعاني [١] عند ما انتقل من مذهب النعمان إلى مذهب الشافعي، فقامت الحرب على ساق، و اضطرمت بين الفريقين نيران فتنة كادت تملأ ما بين خراسان و العراق، و اضطرب أهل مرو لذلك اضطرابا، و ذلك في سنة ٤٦٨ ه و أدّى الأمر إلى غلق باب الجامع، و رفعوا الأمر للسلطان، فنفاه من مرو و لم يعد إليها إلّا بعد مدة [٢]. و كثير أمثال السمعاني قد واجهوا مصائب عند تحولهم من مذهب إلى مذهب.
و أدّى الخلاف بين المذاهب إلى رمي بعضهم بعضا بالكفر، كما صرّح القشيري في كلامه للوزير عند ما أراد حل مشكلة الخلاف بين الحنبلية و الشافعية. و كان القشيري زعيم الشافعية فقال للوزير: أيّ صلح يكون بيننا؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دين أو تنازع في ملك. فأمّا هؤلاء فإنّهم يزعمون أنّا كفار، و نحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كافر، فأيّ صلح يكون بيننا [٣]؟
و ذهب بعضهم إلى لزوم تعزير من انتقل من مذهب لمذهب، و عدم قبول شهادته (كما اشتهر بين الحنفية، من أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهب الشافعي يعزر، و إذا كان بالعكس يخلع، و قيل لا تقبل شهادته) [٤] و منعوا اقتداء بعض أهل المذاهب بالبعض الآخر. بل تجد الحنفي في كثير من البلاد لا يصلّي خلف الشافعي. و كسر بعضهم سبابة مصلّ لرفعه إياها في التشهد لأن ذلك محرّم عندهم، كما ذهب إليه الكيداني و غيره من الحنفية، و اختلفوا في تزويج الحنفية بالشافعي، لقول بعضهم: لا يصح ذلك لأنها تشك في إيمانها، يعني أنّ الشافعية و غيرهم من الأشعرية يجوزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء اللّه. و قال آخرون: يصح نكاحها- أي الشافعية- قياسا على الذمية [٥]، إلى غير ذلك من الأمور البعيدة عن روح الإسلام و لا يقرّها أولئك الأئمة و لا يرضون بها.
و بهذا الاختلاف وقع من الفتن بين المختلفين في الفروع و في الأصول ما سوّد
[١] هو منصور بن أحمد التميمي أبو المظفر السمعاني المتوفى سنة ٤٨٩ ه بمرو كان حنفي المذهب، فنشر المذهب الشافعي مدعيا إن اللّه أمره بذلك في الرؤيا، إذ رأى رب العزة و المقام فقال له: عد إلينا، فأوّل ذلك بأنه أراد مذهب الشافعي.
[٢] طبقات الشافعية ج ٤ ص ٢٣- ٢٥.
[٣] ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ج ١ ص ٢٢.
[٤] إيقاظ همم ذوي الأبصار ص ٧٦.
[٥] الوحدة الإسلامية ١٤٥- ١٤٦.