الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٨ - الإمام الشّافعي في بغداد
يكتب إلى عامله بمكة أن يبعث إليه ثلاثمائة رجل كلهم من قريش، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم. قال الشّافعي: فأشخصت فيمن أشخص مغلولا، فلما وردنا العراق أتي بنا إلى دار يحيى بن خالد و قال لنا: يا معشر قريش قد رفع عليكم أمر كبير و عسى اللّه أن ينجيكم من البلاء إن كنتم قد بغي عليكم، و الذي أراه أن تقدموا من أنفسكم رجلا يخاطب الرشيد عنكم و عن نفسه، فقالوا كلهم: هذا الشّافعي يخاطبه. ثم حكى عن نفسه دفاعه عنها و عنهم، فكانت النتيجة أن عفى الرشيد عن الجميع و أمر لهم بجائزة [١].
و بصورة أخرى: أنه حمل من الحجاز مع تسعة من العلويين فضربت أعناقهم، و نجا الشّافعي و أكرمه الرشيد. و رواية الفخر الرازي التي يفترض أن تكون دقيقة في التاريخ التي نضمها ففيها مشاورة الرشيد لأبي يوسف في أمر الشّافعي بشأن هذه الحادثة التي يثبتها الرازي بأنّها وقعت في سنة ١٨٤ ه. و معلوم أن وفاة أبي يوسف كانت قبل سنة أو سنتين من هذا التاريخ على اختلاف في الروايات كما مرّ.
و في الحلية: إن السبب في حمله من اليمن: أن خارجيا خرج على هارون الرشيد، فأرسل الرشيد إليه جيشا فقبض عليه و حمل إلى العراق و معه الشّافعي، و أحضروا جميعا و أمر بقتلهم، فعرض الشّافعي عليه قصته مع الخارجي و بيّن له نسبه، و ذكر كلاما استحسنه الرشيد و طلب إعادته، و قال له: كثّر اللّه في أهل بيتي مثلك [٢].
و عفى عنه، إلى آخر الاختلاف في الصّور، و الزمان، و الأسباب.
و مهما يكن من أمر فإن الغرض من اتساع هذا الحادث، و إيراده بصور مختلفة هو التعصب للشافعي، و وصفه بعلو المنزلة و اتساع العلم و قوة الحجة، و نبوغه على القرشيين، كما رأيت في الصورة المتقدمة، بأن أولئك القرشيين الذين حملوا معه و كانوا ثلاثمائة رجل كأن اللّه سلب منهم كل موهبة الدفاع عن النفس، و قوة الحجّة، و طلاقة اللسان، و بلاغة البيان و هم أهله، فليس لهم قابلية على الدفاع، و لم يملكوا من الشجاعة و الجرأة قليلا أو كثيرا فيها، و انفرد الشافعي بالجرأة و قوة البيان و ثبات القلب، و هو شاب قد تجاوز الثلاثين من عمره، و حاشا قريشا أن يمثلوا موقفا كهذا الموقف، و لكن دائرة الاختراع واسعة، و التقولات لا حد لها. و قد اعترف الشّافعي
[١] الانتقاء ص ٩٦.
[٢] الحلية ج ٩ ص ٨١.