الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٧ - حجّة المقلّدين
و أنّ النزاع لا يزال يشتد، كلما اتسع الفكر و انتشر العلم و رفعت القيود كانت كفة القائلين بالجواز أرجح.
و إن استقصاء حجج كل من الطرفين يستدعي الإطالة في الموضوع و الخروج عن شرط الكتاب، و لكنا نكتفي بالإشارة للبعض منها، و الاطلاع على التفصيل في الكتب المختصة بذلك. و إنّ أكثرها فائدة و استقصاء هو كتاب «الدين الخالص» للسيد صديق حسن و كتاب «أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية» فليراجع من أراد الوقوف على ذلك.
حجّة المقلّدين:
لقد سرت روح التقليد سريانا عاما بعد أن كان مريد الفقه يشتغل أولا بدراسة الكتاب، و رواية السنة، اللذين هما أساس الاستنباط، أما في هذا الدور- أي دور غلق باب الاجتهاد- فأصبح مريد الفقه يتلقى كتب إمام معيّن، و يدرس طريقته التي استنبط بها ما دوّنه من الأحكام، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء. و منهم من تعلو به همّته فيؤلّف كتابا في أحكام إمامه. و لا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولا يخالف ما أفتى به إمامه. كأن الحق كله نزل على لسان إمامه و قلبه، حتى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور، أبو الحسن عبيد اللّه الكرخي: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤوّلة أو منسوخة. و كل حديث كذلك فهو مؤوّل أو منسوخ. و بمثل هذا أحكموا دونهم أرتاج باب الاختيار.
و التزم كل منهم مذهبا معينا لا يتعدّاه. و يبذل كل ما أوتي من مقدرة في نصرة ذلك المذهب جملة و تفصيلا. مع أنه لا يخطر ببال هؤلاء الفحول ثبوت العصمة لأي إمام في اجتهاده، و قد كان الأئمة أنفسهم يعترفون بجواز الخطأ عليهم، و أن تكون هناك سنّة لم يطلعوا عليها [١].
و على هذا سارت قافلة الزمن، و لم يكن هناك طريق لرفع ذلك التحجير.
و إيقاف تسريات تلك الروح. و من يحاول الاجتهاد و الاتصال بالأدلة الشرعية يكون نصيبه النكال و التعذيب، و يرمى بالبدعة و الضلالة. و قد وقع ذلك لكثير من العلماء.
و على أي حال فقد احتج القائلون بلزوم التقليد بأمور:
[١] تاريخ التشريع الإسلامي ص ٤٢٤- ٤٢٦.