الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٠٢ - موقف الإمام من الزنادقة و الشبه الفكرية
ذلك بأن الباصرة لا تكون في حيز الممكنات ما لم تتصل أشعة البصر بالمرئي و يمتنع اتصال شيء بذاته جلّ و علا.
و لما اشتهرت مقالة المفوضة: و هم الذين يقولون بتفويض الأفعال إلى المخلوقين، و رفعوا عنها قدرة اللّه و قضاءه، عكس المجبرة الذين أسندوا الأفعال إليه تعالى، و أنه أجبر الناس على فعل المعاصي، و أجبرهم على فعل الطاعات، و أن أفعالهم في الحقيقة أفعاله، فكان أثر هاتين الفكرتين سيئا في المجتمع الإسلامي.
فتصدى الإمام (عليه السلام) لرد هؤلاء، و أعلن العقيدة الصحيحة في جوابه البليغ و رده الشهير و هو قوله: «لا جبر و لا تفويض، و لكن أمر بين أمرين».
و خلاصته: أن أفعالنا- من جهة- هي أفعالنا و تحت قدرتنا و اختيارنا، و من جهة أخرى هي مقدورة للّه تعالى، داخلة تحت سلطانه فلم يجبرنا على أفعالنا، حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي، لأن لنا القدرة على الاختيار في ما نفعل، و لم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق و الأمر و هو قادر على كل شيء و محيط بالعباد.
و بهذا تعتقد الشيعة، و مذهبهم وسط بين المذهبين كما بيّنه أئمة الهدى و دلت عليه كلمة الإمام الصّادق (عليه السلام) في جوابه هذا.
و قال محمّد بن عجلان: قلت لأبي عبد اللّه الصّادق: فوض اللّه الأمر إلى العباد؟
فقال (عليه السلام): «اللّه أكرم من أن يفوض إليهم».
قلت: فأجبر العباد على أفعالهم؟
فقال (عليه السلام): «اللّه أعدل من أن يجبر عبدا على فعل، ثم يعذبه عليه».
و بلغه (عليه السلام) مقالة الجعد بن درهم [١] و هي أنه جعل في قارورة ترابا و ماء، فاستحال دودا و هواما، فقال الجعد: أنا خلقت هذا لأني سبب كونه.
[١] الجعد بن درهم: أصله من خراسان، و يقال أنه من موالي بني مروان، سكن دمشق و كانت له بها دار، و إليه ينسب مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية، لأنه كان معه أو مؤدبه، فيقال: مروان الجعدي؛ و الجعد هو أول من أظهر القول بخلق القرآن، و قد غضب عليه بنو أمية فتطلبوه و هرب إلى الكوفة، فقبض عليه خالد القسري فقتله يوم الأضحى سنة ١٢٤ ه و قال للناس: ضحوا يقبل اللّه منكم فإني مصح بالجعد. فنزل إليه و ذبحه تحت المنبر.