الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢٣ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
و نهى عن العمل لهم حتى في بناء المساجد و كراية الأنهر، و عند ما سئل عن ذلك أجاب بقوله: «ما أحب أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء».
و يقول (عليه السلام): «العامل بالظلم و المعين له و الراضي به شركاء».
و يقول (عليه السلام): «من أعان ظالما على مظلوم لم يزل اللّه عليه ساخطا حتى ينزع عن معونته».
و لم يهن على الدولة كل هذه الأمور التي تقف في سبيل تحقيق أهدافها، كما عظم عليها اختصاص مدرسة الإمام بطابع الانفصال عن الدولة، فلم يمكنهم التدخل في شئونها، أو تكون لهم يد في توجيهها، و تطبيق نظامها، و لم تكن بينها و بين الدولة رابطة من روابط الإلفة و الانسجام، و معنى ذلك عدم الاعتراف بشرعية الدولة، و أنّها دولة جائرة لا يمكن الركون إليها، و إن تظاهر الحكام بالمحافظة على المبادئ الإسلامية، فتلك أمور سياسية لا واقع لها في نفس الواقع.
و كما قدمنا بأن الصراع بين مدرسة الإمام و بين الدولة يشتد على مر الأيام، و قد اتخذت أنواع الأساليب، و استعملت شتى الحيل لإخضاع تلك المدرسة لأوامر الدولة، و السير في ركابها، فلم تنجح الوسائل و لم تنفع الأساليب. و هكذا يستمر هذا الصراع عبر الدهور و مدرسة الإمام الصّادق عرضة لأخطار النقمة، و هدفا لسهام الاتهام، و قد رمي المنتمون إليها بالزندقة و الإلحاد و الخروج على سلطان اللّه، و ذلك طبقا لمنطق السياسة.
و لعل الرجوع إلى ما كتبناه سابقا عن هذا الصراع، يغني عن الإسهاب في ذلك، فإنا قد ذكرنا هناك عوامل انتشار المذاهب، و مقومات شخصيات رؤسائها، و أن العامل الوحيد هو قوة السلطان و مناصرة الدولة، كما أشرنا إليه في البحث عن عوامل المذهب الحنفي، و المالكي، و الشافعي. و الآن نشرع في ذكر المذهب الرابع، و هو الحنبلي، فلننقل بك أيها القارئ الكريم إلى دراسة صحيحة عن حياة رئيس المذهب الحنبلي- الإمام أحمد بن حنبل- لنرى على ضوء المعلومات التاريخية، مقومات شخصيته، و عوامل انتشار مذهبه، و اللّه المسدد للصواب.