الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢٢ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
يخرجوا عليه و لم يستنكروا أعماله حتى مات عمرو بن عبيد.
و على أي حال: فالمنصور لم يزل يقلّب وجوه الرأي، و يدبر الحيل في القضاء على الإمام الصّادق، و لا تروق له تلك الشهرة العلمية التي اكتسبتها مدرسته، و لذلك حاول أن يحصر الفتوى بمالك بن أنس عند ما رفع منزلته، و نوه باسمه، و نادى مناديه (أن لا يفتين إلّا مالك) كما طلب من مالك أن يضع كتابا يكون هو المرجع في الفقه رسميا، فلا يمكن الرجوع لغيره، أو الأخذ عن أحد سواه.
و إنما خص مالكا بذلك دون غيره من علماء المدينة لعلمه بانحرافه عن آل علي، و أن نزعته نزعة أموية.
و استمر المنصور في تقديم العلماء ليسند عرشه الذي أصبح مهددا من خطر الدعوة لأهل البيت، و عدم الاعتراف له بأهلية الخلافة، لما اتصف به من العسف و الجور، و مخالفة أحكام الإسلام.
و قد اشتهرت كلمة الإمام الصّادق عند ما سئل عمن يصلح للخلافة فأجاب (عليه السلام):
«إن الإمامة لا تصلح إلّا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم، و حلم يملك به غضبه، و حسن الخلافة على من ولّي حتى يكون له كالوالد الرحيم».
و هذه الكلمة تجرّد المنصور من أهلية الخلافة، لعدم اتصافه بواحدة منها، فلا يمكن الاعتراف له بذلك.
كما أنه (عليه السلام) منع الناس من الترافع إلى الحكام، و وصفهم بأنهم حكام جور و أئمة ضلال، فحكمهم غير نافذ، و طاعتهم غير لازمة، و أن الركون إليهم، و العمل لهم ضياع للحق و معاونة على الظلم.
و كان يؤنب أصحابه الذين يتعاملون مع رجال الدولة، و ينهاهم عن ذلك. قال لعذافر: «بلغني أنك تعامل أبا أيوب و الربيع [١] فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة».
[١] أبو أيوب هو سليمان بن مخلد كاتب المنصور و المقرب عنده، ثم قلّده الدواوين و الوزارة و أصبحت له عند المنصور منزلة عظيمة دون سائر الناس، حتى قالت العامة إنه قد سحر أبا جعفر، و بعد ذلك غضب عليه و نكبه و صادر أمواله، و ذلك في سنة ١٥٣ ه.
أما الربيع بن يونس: فهو الربيع بن يونس بن أبي فروة مولى كيسان، كان من أعيان الدولة و تولى نفقات المنصور، ثمّ قلّده الوزارة و قلّد ابنه الفضل بن الربيع الحجابة.