الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٠٦ - وصية الإمام موسى له
يا هشام، عليك بالرفق، فإن الرفق يمن، و الخرق شؤم، إن الرفق و البر و حسن الخلق يعمر الديار، و يزيد في الأعمار.
يا هشام، إن مثل الدنيا مثل الحية مسّها ليّن، و في جوفها السم القاتل. يحذرها الرجال ذوو العقول، و يهوي إليها الصبيان بأيديهم.
يا هشام، إن الزرع ينبت في السهل و لا ينبت في الصّفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، و لا تعمر في قلب المتكبر الجبّار، لأن اللّه جعل التواضع آلة العقل، و جعل التكبر آلة الجهل، أ لم تعلم أن من شمخ إلى السقف شجّه، و من خفض رأسه استظل تحته و أكنّه، و كذلك من لم يتواضع للّه خفضه اللّه و من تواضع للّه رفعه.
يا هشام، إياك و مخالطة الناس و الأنس بهم، إلّا أن تجد بهم عاقلا و مأمونا فآنس به، و اهرب من سائرهم كهربك من سباع الضارية. و ينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحي من اللّه. و إذا مرّ بك أمران لا تدري أيهما خير و أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك.
يا هشام، من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه. و ما أوتي عبد علما فازداد من الدنيا حبا إلّا ازداد من اللّه بعدا، و ازداد اللّه عليه غضبا.
يا هشام، إياك و الطمع، و عليك باليأس مما في أيدي الناس، و أمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل و اختلاس العقل، و اختلاق المروءات و تدنيس العرض، و الذهاب بالعلم. و عليك بالاعتصام بربك و التوكّل عليه، و جاهد نفسك لتردّها عن هواها، فإنّه واجب عليك كجهاد عدوك».
قال هشام: قلت أي الأعداء أوجبهم مجاهدة؟
قال (عليه السلام): «أقربهم إليك، و أعداهم لك، و أضرّهم بك، و أعظمهم لك عداوة، و أخفاهم لك شخصا- مع دنوه منك ...».
يا هشام، من أكرمه اللّه بثلاث فقد لطف له: عقل يكفيه مئونة هواه، و علم يكفيه مئونة جهله، و غنى يكفيه مخافة الفقر.
يا هشام، احذر هذه الدنيا و احذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف:
رجل متردي معانق لهواه، و متعلّم مقرئ كلما ازداد علما ازداد كبرا يستعلي بقراءته و علمه على من هو دونه، و عابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن