الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١ - تفاوت المذاهب في الانتشار
و انتشار المذاهب و عظيم الإقبال عليها لا يدل على قوّتها الروحية، و عواملها الذاتية، فقد رأينا أن قوة الدعاة و تدخّل السلطة أقوى عامل لنشر المذهب (فأيّ مذهب كان أصحابه مشهورين، و أسند إليهم القضاء و الإفتاء، و اشتهرت تصانيفهم في الناس، و درسوا درسا ظاهرا، انتشر في أقطار الأرض، و لم يزل ينشر كل حين. و أي مذهب كان أصحابه خاملين، و لم يولّوا القضاء و الإفتاء، و لم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين) [١].
و المذاهب الأربعة نفسها كانت تختلف بالقوة و الانتشار، فقد رأينا المذهب الحنفي هو أكثر المذاهب انتشارا، و أعظمها إقبالا، لقوة أنصاره و كثرة دعاته في البداية و النهاية، إذ كانت نواة شهرته من غرس أبي يوسف قاضي قضاة الدولة العباسية، فهو ناشر المذهب أو مؤسّسه- إن صح لنا أن نقول ذلك- و قد كان أبو يوسف وجيها في الدولة، مقبولا عند الخلفاء، له منزلة لا يشاركه فيها أي أحد. فكان لا يولي قاضيا إلّا من انتسب لمدرسة أبي حنيفة.
و استمر القضاة في نشر المذهب في جميع الأقطار، مستمدين قوّتهم من السلطة التنفيذية، حتى أصبح مذهب أبي حنيفة هو المذهب الرسمي للدولة.
و لما اعتنق الأتراك مذهب أبي حنيفة أثّر ذلك في قوّته و انتشاره في العصور المتأخرة، و ناهيك بما للأتراك من قوة في الدولة، و قسوة في الحكم، و استبداد في الأمر، و قد ناصروه بكل حول و قوة، و كان انتصارهم لطمعهم في الخلافة. فإن السلطان سليما طمع في الخلافة الإسلامية، و هي لا تكون إلّا في قريش باتفاق المذاهب إلّا الحنفي فإنّه جوّز أن يتولى الخلافة غير قرشي، فحمل الناس على اعتناق هذا المذهب.
و قد رأينا انتصار العباسيين لمالك بن أنس- بعد غضبهم عليه- فقد أمروا بقصر الفتوى عليه، و أعلن ذلك بأمر الدولة، و نودي- غير مرة علنا- ألّا يفتي الناس إلّا مالك [٢] و أمروا عمّالهم باستشارته في الأمر، و عدم القطع دونه، فهذا المنصور يقول لمالك: إن رأيت ريبة من عامل المدينة أو عامل مكّة، أو أحد عمّال الحجاز، في ذاتك،
[١] حجة اللّه البالغة للدهلوي ج ١ ص ١٥١.
[٢] تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٢٠٦.