الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٤ - الاجتهاد
بأسرار القرآن و علوم الحديث، فدوّنوها في كتبهم أو لقنوها لتلامذتهم، مع أن كلماتهم تدل على عدم بلوغهم تلك الدرجة من الكمال؛ و لا ارتياب بأنه لو فسح في أجل أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد، و عاشوا إلى اليوم، لداموا مجتهدين مجدين يستنبطون لكل قضية حكما و كلما زاد تعمّقهم زادوا فهما و تدقيقا.
إلى آخر ما تعرضنا لذكره من الآراء و الأقوال في الإنكار على غلق باب الاجتهاد، و منعه و (و هو سر تأخر المسلمين، و هو الباب المرن الذي عند ما قفل تأخّر المسلمون بقدر ما تقدم العالم، فأضحى ما وضعه السابقون لا يمكن أن يغير و يبدّل لاعتبارات سياسية).
و على أي حال فإن هناك طائفة من العلماء يحاولون رفع ذلك الجمود الفكري و فتح باب الاجتهاد الذي دعت السياسة لإقفاله، حيث لم يعرف هناك دليل شرعي يؤيد ما ذهب إليه المقلّدون و القائلون بلزومه، و وجوب الرجوع إلى المذاهب الأربعة دون غيرها من علماء الأمة.
و قد عقد ابن القيم فصلا طويلا في أعلام الموقعين استقصى فيه أدلة القائلين بذلك و إبطالها بالأدلة القوية، كما قد ألفت رسائل عديدة لهذا الغرض، و كلها تدعو إلى التحرّر من تلك القيود التي أخذت بأعناق العلماء، و إذا رفع أحد منهم صوته بالدعوة إلى رفع تلك القيود ألقي في غيابت السجن، و لقي العذاب و التنكيل، لأن السلطان كان مؤيدا لأهل التقليد، لأنهم آلة السياسة و أعوان الرئاسة، فكان صوت المصلحين بينهم خافتا و مقامهم خافيا.
و ها نحن أولاء نلقي نظرة خاطفة حول الاجتهاد و التقليد، و نقف على شروط الاجتهاد كما وقفنا على كلمات الأئمة من الدعوة إليه و النهي عن التقليد، و نستطرد حجج القائلين به.
الاجتهاد:
الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود و استفراغ الوسع في فعل من الأفعال. و لا يستعمل إلّا فيما فيه كلفة، فيقال: اجتهد في حمل حجر الرحى. و لا يقال: اجتهد في حمل خردلة. ثم صار هذا اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل الفقيه وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة.