الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢٩ - وصيته لعنوان البصري
في الجنّة و لذاتها، و كرامة أهلها، ويل لأولئك، ما أخيب حظهم، و أخسر كرّتهم و أسوأ حالهم عند ربهم يوم القيامة، استجيروا اللّه أن يجيركم في مثالهم أبدا و أن يبتليكم بما ابتلاهم به و لا قوة لنا و لكم إلّا به.
فاتقوا اللّه و سلوه أن يشرح صدوركم للإسلام، و أن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم و أنتم على ذلك، و أن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين و لا قوة إلّا باللّه، و الحمد اللّه رب العالمين [١]».
وصيته لعنوان البصري:
و عنوان هو شيخ بصري قدم المدينة لطلب العلم، اتصل بمالك بن أنس، ثم اتصل بالإمام الصّادق، فقال له الإمام: «إذا أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية».
قال عنوان البصري: فقلت: ما حقيقة العبودية؟
فقال الإمام الصّادق: «ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكا، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، بل يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه، و لا يدبر العبد لنفسه تدبيرا، و جملة اشتغاله هي فيما أمره اللّه به و نهاه عنه، و إذا لم ير العبد فيما خوّله اللّه ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه، و إذا فرض تدبير نفسه إلى مدبره هانت عليه مصائب الدنيا، و إذا اشتغل بما أمره اللّه به و نهاه عنه، لا يتفرغ إلى المراء و المباهاة مع الناس، فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا، فلا يطلبها تفاخرا و تكاثرا، و لا يطلب عند الناس عزّا و علوا، و لا يدع أيامه باطلة، فهذا أول درجة المتقين، قال اللّه تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».
فقال عنوان: يا أبا عبد اللّه أوصني.
فقال: «أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى اللّه، و اللّه أسأل أن يوفقك لاستعمالها: ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها و إياك و التهاون بها.
[١] روضة الكافي ٣٩٧- ٤٠٨.