الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٦٩ - تمهيد
الإمام الشّافعي
تمهيد:
مرّ بنا من قبل أن البحث عن حياة أئمة المذاهب الأربعة معقد يحتاج إلى مزيد من العناية، لكثرة الحكايات و القصص التي لا تتسق مع الواقع و لا أثر لها في تمييز الطابع الذي طبع عليه، لذلك نرى من الحق علينا أن نتناول دراسة حياة كل واحد منهم من طرقها المختلفة، لكي يتسنى لنا الوقوف على الواقع بعد التمحيص و التثبت في جميع ما ورد بمختلف المصادر، من أمور متباينة و أقوال متناقضة، كان مبعثها اندفاع بعض معتنقي المذهب وراء العاطفة، و الخروج عن حدود الواقع، إذ العاطفة تغلب على العقل فتعطّله، و تطغى على الواقع فتخفيه، و تجعل الأمور الوهمية كحقائق لا تقبل النقاش و الجدل، و بذلك تضاعفت تلك الصعوبات التي تقف أمام الباحث، و ها نحن أمام البحث عن حياة الإمام الشّافعي، و قد وقفنا على كثير من الزوائد فأهملنا ذكرها، و إن من الغريب أن يجمد بعض أساتذة العصر الحاضر على ما وقفوا عليه في دراسة حياة الإمام الشّافعي بدون تمحيص، و كان الواجب يقضي عليهم أن يتتبعوا الحقائق التاريخية و لا يقتنعوا بكل ما ورد، و إليك مثلا من ذلك:
الأستاذ علي فكري، الأمين الأول لدار الكتب المصرية، يحدّثنا أن الشّافعي سافر إلى العراق في حياة الإمام مالك و دخل الكوفة و اجتمع بأبي يوسف و محمّد بن الحسن الشيباني و جرت بينهم مناظرات و مسائل، و نزل في الكوفة ضيفا على محمّد بن الحسن و نسخ كتبه. ثم ذكر رحلته إلى بلاد فارس و ما حولها من بلاد العجم، ثم سافر إلى بلاد ربيعة و مضر و شمال العراق حتى وصل إلى جنوب بلاد الروم- و هي الأناضول الآن- و عرج على حرّان و أقام فيها زمنا، ثم سافر منها إلى فلسطين و أقام في الرملة في جنوب بيت المقدس. و قد استغرقت هذه السياحة حولين