الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٦ - عصره
و قد احتفظت كتب الأدب بكثير من أخبارهم، فهم يتذوقون الغناء و يطربون عليه، و يجيزون المغنين و يصلونهم بأسنى الصلات، و كان معظمهم يحسن الغناء و يعرف أصوله، و يصنع أصواتا يغنيها هو أو يلقيها على جواريه أو على المغنين ليغنوها، كما كان هارون الرشيد و الواثق أكثر ما كان في حاشيتهما من المغنين.
و كان إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد قد بلغ منزلة في الغناء و عرف بشيخ المغنين، و كانت علية بنت المهدي تغني أحسن غناء، و كان أخوها يعقوب يزمر لها على الغناء [١] و كان الرشيد يعلم ذلك، و قد غنت جارية ذات يوم:
يا موري الزند قد أعيت قوادحه* * * اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني و اسمجهم* * * إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
فأراد الرشيد أن يعرف لمن الصوت، فأسرّت إليه الجارية أنه لعلية أخته.
و روى أبو الفرج عن أحمد بن زيد قال حدّثني أبي قال: كنا عند المنتصر فغناه منان لحنا من الرمل الثاني:
يا ربه المنزل بالبرك* * * و ربه السلطان و الملك
تحرجي باللّه من قتلنا* * * لسنا من الديلم و الترك
فضحكت، فقال لي: مم ضحكت؟ قلت: من شرف قائل هذا الشعر، و شرف من عمل اللحن فيه و شرف مستمعه.
قال: و ما ذاك؟ قلت: الشعر فيه للرشيد، و الغناء لعلية بنت المهدي، و أمير المؤمنين مستمعه [٢].
و كان اهتمام الرشيد بالغناء و المغنين عظيما، فقد قرب منهم عددا وافرا،
[١] الأغاني ج ٩ ص ٨٤.
[٢] الأغاني ج ٩ ص ٨١. و رحم اللّه أبا فراس الحمداني إذ يقول مقارنا بينهم و بين بني علي:
تنشى التلاوة في أبياتهم سحرا* * * و في بيوتكم الأوتار و النغم
منكم علية أم منهم و كان لكم* * * شيخ المغنين إبراهيم أم لهم
إذا تلوا سورة غنى أمامكم* * * قف بالطلول التي لم يعفها القدم
ما في بيوتهم للخمر معتصر* * * و في بيوتكم للسوء معتصم
الركن و البيت و الأستار منزلهم* * * و زمزم و الصفا و الحجر و الحرم