الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٠١ - موقف الإمام من الزنادقة و الشبه الفكرية
ثم قال: «يا معاوية إن محمّدا لم ير الرب تبارك و تعالى بمشاهدة العيان، و إن الرؤية على وجهين: رؤية القلب و رؤية البصر، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، و من عنى برؤية البصر فقد كفر باللّه و آياته، لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر. و لقد حدّثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي (عليهما السلام): سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيل له: يا أخا رسول اللّه هل رأيت ربك؟
فقال: و كيف أعبد من لم أره؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، فإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر فهو مخلوق، و لا بد للمخلوق من الخالق. فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا، و من شبهه بخلقه فقد اتخذ مع اللّه شريكا. ويلهم أو لم يسمعوا بقوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ و قوله: لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا و إنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط، فدكّت الأرض، و صعقت الجبال، فخرّ موسى صعقا، فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك من قول من زعم أنك ترى، و رجعت إلى معرفتي بك، إن الأبصار لا تدركك، و أنا أول المؤمنين و أول المقرين بأنك ترى و لا ترى و أنت بالمنظر الأعلى».
ثم قال (عليه السلام): «إن أفضل الفرائض و أوجبها معرفة الرب، و الإقرار له بالعبودية، و حد المعرفة أن يعرف أنه لا إله غيره، و لا شبيه له و لا نظير، و أن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير مقيّد، موصوف من غير شبيه، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، و بعده معرفة الرسول و الشهادة بالنبوة».
و له (عليه السلام) كثير من الحجج في الرد على من جوّزوا الرؤية للّه في البصر سواء في الدنيا أو في الآخرة، لأنهم اختلفوا في ذلك، إذ جوّزها قوم في الدنيا و الآخرة، و منعها آخرون في الدنيا و أجازوها في الآخرة، كما هو مذهب الشافعي.
و ذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى استحالة الرؤية في الدنيا و الآخرة، و عدم إمكانها مطلقا لأنه تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [١].
لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا، كالأجسام و الهيئات، و علل
[١] سورة الأنعام: ١٠٢.