الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٧ - عصره
محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو جنس العرب الذي منه صاحب الملّة و الدعوة الذي ينادى باسمه في كل يوم و ليلة خمس مرّات على الصوامع و المساجد في جميع الأماكن: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أن محمّدا رسول اللّه، و وصل دعوته إلى كل بر و فاجر من عالم و جاهل معروف غير منكر في كل يوم و ليلة، فلم يجز إلّا أن يكون في هذه القبيلة التي فيها صاحب الدعوة لاتصالها بالملّة، لم يجز أن يكون إلّا في هذا البيت الذي هو بيت النبي لقرب نسبه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إشارة إليه دون غيره من أهل بيته، ثم إن لم يكن إشارة إليه اشترك أهل هذا البيت، و ادعيت فيه، فإذا وقعت الدعوة فيه وقع الاختلاف و الفساد بينهم و لا يجوز أن يكون إلّا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إشارة إلى رجل من أهل بيته دون غيره لئلا يختلف فيه أهل هذا البيت أنه أفضلهم و أعلمهم و أصلحهم لذلك الأمر.
و أما الأربع التي في نعت نفسه: فأن يكون أعلم الخلق، و أسخى الخلق، و أشجع الخلق، و أعفّ الخلق و أعصمهم من الذنوب صغيرها و كبيرها، لم تصبه فترة و لا جاهلية، و لا بد من أن يكون في كل زمان قائم بهذه الصفة إلى أن تقوم الساعة. فقال عبد اللّه بن يزيد الأباضي- و كان حاضرا-: من أين زعمت يا هشام أنّه لا بد أن يكون أعلم الخلق؟ قال: إن لم يكن عالما لم يؤمن أن تنقلب شرائعه و أحكامه، فيقطع من يجب عليه الحدّ، و يحدّ من يجب عليه القطع، و تصديق ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. قال: فمن أين زعمت أنّه لا بد أن يكون معصوما من جميع الذنوب؟
قال: إن لم يكن معصوما لم يؤمن أن يدخل فيما دخل فيه غيره من الذنوب، فيحتاج إلى من يقيم عليه الحدّ كما يقيمه على غيره، و إذا دخل في الذنوب لم يؤمن أن يكتم على جاره و حبيبه و قريبه و صديقه، و تصديق ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. قال له: فمن أين زعمت أنّه لا بد أن يكون أشجع الخلق؟ قال: لأنه قيّمهم الذي يرجعون إليه في الحرب، فإن هرب فقد باء بغضب من اللّه و لا يجوز أن يبوء الإمام بغضب من اللّه، و ذلك قوله عزّ و جلّ:
إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. قال: فمن أين زعمت أنّه لا بد أن يكون أسخى الخلق؟ قال: لأنّه إن لم يكن سخيا لم يصلح للإمامة، لحاجة النّاس إلى نواله و فضله و القسمة بينهم بالسوية، و ليجعل الحق في موضعه؛ لأنه إذا كان سخيا لم تتق نفسه إلى أخذ شيء من حقوق الناس و المسلمين، و لا يفضل نصيبه في القسمة