الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٤٩ - مذهبه الفقهي
الأطياف، فوضعوا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كثيرا من ذلك و سيأتي بيانها، و هي أمور كان مبعثها احتدام النزاع الطائفي الذي أصبح ميدانا للخلاف و محورا للتخاصم آنذاك.
نقول هذا بدون طعن على أولئك الرجال، و لا حطّا من كرامتهم، لأن الواقع الذي نلمسه من سيرتهم و ما طبعوا عليه يقضي علينا ببراءتهم من ذلك الادعاء الأجوف. و قد دلّت آثارهم على خلاف ما يذهب إليه المتعصّبون لهم. و قلنا إن العالم بآثاره و أسفاره و من صفاته البحث في العلم و ليس البحث عن التفوق، و لا ادعاء الأفضلية لأن العلم ما تشهد به الحقائق.
مذهبه الفقهي:
إذا أردنا أن نقف على مدى نشاط الشّافعي في فقهه، فلا نستطيع تحديد ذلك بعد أن وقفنا على نشاط أصحابه و تلامذته الذين نما المذهب بجهودهم و اجتهادهم بكثرة التخريج. و لهم آراء كثيرة و أقوال متعددة اجتهدوا فيها، و لم يؤثر عن الشّافعي نص فيها، و نسبوا الجميع إليه و عدّت من مذهبه، و هم و إن كانوا لا يقولون إنها أقوال الشّافعي، لكنهم يقولون إنها أوجه بمذهبه.
و بفضل جهود أصحابه قد (اكتسب المذهب من البيئات المختلفة و الأحوال الاجتماعية المتباينة و الشؤون الاقتصادية المتخالفة الشيء الكثير، مما كان يتأثّر به المجتهدون عند تخريجهم للمسائل، إذ كانوا بلا ريب متأثّرين ببيئاتهم الجغرافية و الاجتماعية و الاقتصادية، و إنك لو درست ذلك المذهب على ضوء هذا، و فحصت الآراء بين المختلفين على ذلك النور لعلمت أثر البيئات في أقوال المختلفين و آراء المتنازعين، و إن الذين يدرسون فروع ذلك المذهب بل فروع المذاهب المختلفة، درسوها منسوبة لأصحابها، و عرفوا البيئات المختلفة؛ فإنّهم حينئذ يرون تلك الآراء صورا صادقة لعصورها، حاملة ألوانها و منازعها الاجتماعية و الاقتصادية و أعراف الناس فيها) [١].
و قد نشأ في عصور الاجتهاد و حرية الفكر رجال لهم الأثر العظيم في التخريج وسعة دائرة المذهب كالأسفرائيني الذين قالوا في حقه: إنه أنظر و أفقه من الشّافعي؛
[١] الشّافعي لمحمّد أبو زهرة ٢٦٤.