الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤٦ - أوضاع المحنة في عصر الإمام أحمد
كورة من الكور، أعظم قدرا و لا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، إذا خرج اصطف الناس يقبّلون يديه.
و قد ثبت عبد الأعلى و لم يجب في المحنة، فحبسه المأمون ببغداد في شهر رجب لمحنة القول بخلق القرآن، و مات في الحبس سنة ٢١٨ ه [١] و أما قول ابن سعيد أنه مات سنة ٢١٠ ه فهو خطأ، لأن المحنة ابتدأت في سنة ٢١٨ ه.
هؤلاء الرجال هم أشهر من وقف في ذلك المعترك العقائدي، الذي أثارته الدولة، و حملت الناس على الخضوع لإرادتها بالتهديد و التوعيد، و الضرب بالسياط، و القتل و السجن. و إن من ظلامة التاريخ أن تخص هذه المحنة بأحمد بن حنبل فيكون فارسها المحنّك، و بطلها الأول، و موقفه الوحيد في نصرة الإسلام منذ بزوغ شمسه في الجزيرة العربية، و نحن لا ننكر موقفه و لا نبخس حقه، و لكنا نقول: أن هناك زوائد يجب أن تهمل، و أطياق و أساطير لا تزيد البحث إلّا تعقيدا كما نشير إليها في المناقب.
أوضاع المحنة في عصر الإمام أحمد:
إن ما يمتاز به عصر أحمد هو وجود معسكرين متخاصمين كل يحاول أن ينال السبق و التغلب، و يحاول القضاء على الطرف الآخر، و هم: المعتزلة، و أهل الحديث. و لقد بلغ الصراع أشده، و قامت ثورة فكرية، و عاطفية، و السياسة من وراء ذلك تلعب دورها، و كان كل من المعسكرين، يأمل آمالا واسعة، فالمعتزلة كانوا يأملون أن يصبح الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، كما أن الإسلام دينها الرسمي، فإذا تم ذلك، انتشر الاعتزال تحت حماية الدولة، و أصبح أكثر المسلمين معتزلة، فوحدوا اللّه كما يوحدون، و اعتنقوا أصول الاعتزال كما يعتنقون، و تحرر المسلمون في أفكارهم، فأصبح المشرّعون لا يتقيدون بالحديث تقيد المحدثين، و إنما يستعملون العقل، و يزنون الأمور بالمصالح العامة، و لا يرجعون إلى نص إلّا أن يكون قرآنا أو حديثا مجمعا عليه، و تحرر عقول المؤرخين من المسلمين، فيتعرضون للأحداث الإسلامية، بعقل صريح، و نقل حر، فيشرحون أعمال الصحابة و التابعين، و يضعونها
[١] الخلاصة للخزرجي ص ١٨٧. و شذرات الذهب ج ٢ ص ٤٤.