الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٩٧ - بين معسكرين
بين معسكرين:
كان النزاع بين المحدّثين و المعتزلة شديدا، و قد استطاع المعتزلة أن يتغلبوا على خصومهم، و أصبحت أمور الدولة بأيديهم، فمنهم الأمراء و القضاة، و هم أهل الحل و العقد، عند ما وقع المأمون تحت سيطرتهم، و خضع لنفوذهم، و ارتاح لأحاديثهم، لأنه كان متعطشا إلى العلم و الفلسفة و حرية العقل، و مشغوفا بالمناقشة و الجدال، و المعتزلة في وقته هم أقطاب الأدب، و أرباب الجدل، و طلّاب العلم و الفلسفة.
قال الدميري: كان المأمون نجما لبني العباس في العلم، و الحكمة، و قد أخذ من العلوم بقسط وافر، و ضرب فيها بسهم، و هو الذي استخرج كتاب أقليدس، و أمر بترجمته و تفصيله، و عقد في خلافته للمناظرة في الأديان و المقالات، و كان أستاذه أبو الهذيل العلاف [١].
و كان لأحمد بن أبي داود أكبر الأثر في تحقيق مآرب المعتزلة و أهدافهم، فهو قاضي الدولة، و صاحب السلطة التشريعية، و له عند المأمون مكانة لا يزاحمه بها غيره، فاستطاع بلباقته و غزارة علمه، و ذلاقة لسانه، أن يحمل المأمون على القول بخلق القرآن. و إظهار ما يذهب إليه المعتزلة من آراء.
و كان المعتزلة يرون أن القول بقدم القرآن فكرة مسيحية، دست بين الجماهير الإسلامية، فيما كان يدس فيهم من أفكار، و قد تلقاها الجمهور بالقبول لما فيها من تقديس للقرآن الكريم، كما جاء في رسالة النصارى للجاحظ المعتزلي: إن الكائدين للإسلام يرتضون و يرحبون بمقالة الفقهاء و المحدثين الذين يروجونها عند العامة، لأنهم يتخذون من الحكم بأن كل كلام اللّه قديم، سبيلا لأن يقيموا الحجة على أن المسيح قديم، و تكون تلك الحجة من الكتاب الكريم، إذ فيه أن المسيح كلمة اللّه، و كل كلام اللّه قديم، و كلمة اللّه قديمة فالمسيح قديم.
و إن الأخبار الصادقة تثبت أن النصارى الذين كانوا يعيشون بين المسلمين، يؤلمهم أن يدخل المسيحيون في دين اللّه أفواجا، و كانوا يثيرون أفكارا بين المسلمين، و يتخذون من هذه الأفكار حججا لهم يجادلون بها عن دينهم.
و قد جاء في كتاب تراث الإسلام عن يوحنا الدمشقي الذي كان في خدمة
[١] حياة الحيوان ج ١ ص ٧٢.