الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢١ - الزندقة في عرف العباسيين
و تكلم معه، فقال له المهدي في جملة كلامه: يا ابن الزانية! فقال شريك: مه مه يا أمير المؤمنين، فلقد كانت صوّامة قوّامة.
فقال له المهدي: يا زنديق لأقتلنك. فضحك شريك و قال: يا أمير المؤمنين، إن للزنادقة علامات يعرفون بها: شربهم القهوات و اتخاذهم القينات. فأطرق المهدي [١].
فنرى أن المهدي كان يطلق كلمة زنديق على من لم يعترف بخلافته أو عدالته، و ما أكثر الذين يذهبون لذلك من رجال الأمة و علمائها، كما أن شريكا القاضي أطلق لفظ الزندقة على من كان يحيى حياة المجون، و إن من أوضح الأمور انطباق ذلك على المهدي نفسه، فهو الشخص الوحيد الذي يمثّل دور المجون و الاستهتار، فأطلق عليه شريك لفظ الزندقة بالتلميح.
و كذلك أطلق لفظ الزندقة على من يناقض أحاديث الصحابة أو يردّها لعدم صحتها [٢] و كذلك أطلق لفظ الزندقة على المفكّرين الذين يقفون أمام الحوادث التاريخية موقف تثبّت، لاستجلاء الواقع و معرفة الحقيقة. فالأمر الذي يتعلّق بالبحث حول بعض الصحابة و ما صدر منهم قد أصبح محظورا، فلا يمكن إلّا التسليم بصحة ما صدر منهم- و إن خالف الشرع- لأن البحث عن ذلك أمر يستوجب الاتهام بالزندقة، و ليس وراء ذلك إلّا السيف. حتى أصبح ذلك من القواعد المقرّرة المعمول بها طبقا لإرادة الدولة، و تلك القاعدة هي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاعلم أنّه زنديق [٣].
يقول الدكتور أحمد أمين: (إن الاضطهاد و الرّمي بالزندقة عنوان الشخصية.
فالرجل إن كان ضعيف الهمّة، فائل الرأي، أو ذا رأي و لكنه ملق، يكلم كل إنسان بما يحب فلم يضطهد؛ و إذا كان يسير في العلم حسب رأي الأغلبية، و يرى من النظريات و القواعد و التعاليم ما يراه الناس في عصره فلم يضطهد. إنما يضطهد القوي في الرأي، لا يتنزل عنه لسلطان أو أمير، المستقل الفكر، يؤديه فكره إلى نتائج قد يخالف
[١] ابن كثير ج ١٠ ص ١٥٣.
[٢] تاريخ بغداد ج ١٤ ص ٧.
[٣] الكفاية للخطيب البغدادي ص ٤٩.