الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤٢ - في عهد المعتصم
فقال (إسحاق): شيئا بعد شيء أو جملة؟
قال: علمته شيئا بعد شيء.
قال (إسحاق): فبقي عليك شيء لم تعلمه؟
قال أحمد: بقي علي شيء لم أعلمه.
قال إسحاق: فهذا مما لم تعلمه، و علمكه أمير المؤمنين.
قال أحمد: فإني أقول بقول أمير المؤمنين.
قال إسحاق: في خلق القرآن؟
قال أحمد: في خلق القرآن. فأشهد عليه و خلع عليه، و أطلقه إلى منزله.
هذا ما يستدل به على إجابة أحمد للمعتصم، من أقوال رجال هم أقرب الناس من عهده، و أطلعهم على حوادثه.
و بدون شك أن امتحان أحمد كان من أكبر العوامل لانتشار ذكره و اتجاه الناس إليه، و أنه بعد أن استقر في بيته بعد ما عفى عنه المعتصم، التف حوله جماعة للسماع منه في المسجد يدرس مدة بقاء المعتصم، و بعد وفاة المعتصم تقلد ولده الواثق الخلافة، و صار أحمد محدّثا مشهورا، فعظم ذلك على قاضي بغداد الحسن بن علي بن الجعد، فكتب إلى ابن أبي دؤاد [١] بذلك، فلما سمع أحمد امتنع من تلقاء نفسه.
و لما قام الواثق بالأمر، أعاد امتحان أحمد، و لكنه لم يتناوله بأذى، كما فعل المعتصم، و اكتفى بمنعه من الاجتماع بالناس، فأقام أحمد مختفيا لا يخرج إلى صلاة و لا غيرها حتى مات الواثق.
[١] أحمد بن أبي دؤاد بن جرير القاضي الايادي، المتوفى سنة ٢٤٠ ه كان من أقوى شخصيات عصره، و له الأثر الكبير في المجتمع، و كان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال.
و هو بطل الثورة الفكرية أيام المحنة، لمكانته في الدولة و نفوذه، و قد اتصل بالمأمون فأعجب به لعقله و حسن منطقه؛ فقربه و أصبح ذا نفوذ كبير في قصره، و كان من وصية المأمون للمعتصم:
(و أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك).
فلما ولي المعتصم جعل بن أبي دؤاد قاضي القضاة مكان يحيى بن أكثم، و كان كذلك قاضي القضاة في أيام الواثق، فلما ولي المتوكل أصيب بالفالج و أفل نجمه، فكانت مدة عظمة بن أبي دؤاد و نفوذه نحوا من ثمان و عشرين سنة، أي من سنة ٢٠٤ ه إلى سنة ٢٣٢ ه. و قد تابع ابن أبي دؤاد بنفسه معاقبة الناس المخالفين للمعتزلة، و أشرف على إنزال الأذى بهم.