الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٠٧ - المجلس الأول في خلق الإنسان
و نرى من اللازم الإشارة لذلك اختصارا إذ لا سبيل لنقل النصوص كاملة كما وردت لطولها، و لذلك نكتفي بذكر البعض من آيات علم الإمام الصّادق التي تحوي خصائص منطقه و مزايا أسلوبه في بحث دلائل التوحيد من خلال عرض الدقائق التي ليس بمقدور الآخرين التعرّف عليها، فضلا عن التدليل و جعلها مادة في المناظرة، و لا بد لهذه الأجوبة أن تجد حظها من البحث و البيان فهي من آثار الإمام التي يجدر بالباحثين تناول مضامينها و منهجها الذي قامت عليه.
المجلس الأول في خلق الإنسان:
قال (عليه السلام) بعد أن ذكر الملحدين و أسباب شكهم و تهيئة هذا العالم و تأليف أجزائه: «نبتدي يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم، و هو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، و ظلمة الرحم، و ظلمة المشيمة. حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء و لا دفع أذى، و لا استجلاب منفعة، و لا دفع مضرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاءه حتى إذا كمل خلقه، و استحكم بدنه، و قوي أديمه على مباشرة الهواء، و بصره على ملاقات الضياء، هاج الطلق بأمّه، فأزعجه أشد إزعاج و أعنفه حتى يولد، و إذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثدييها، فانقلب ذلك الطعم و اللون إلى ضرب آخر من الغذاء، و هو أشد موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد تلمظ و حرك شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثدي أمه كإداوتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء لين الأعضاء، حتى إذا تحرك و احتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد و يقوى بدنه، طلعت له الطواحن من الأسنان و الأضراس، ليمضغ بها الطعام و يسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتى يدرك ...».
ثم قال (عليه السلام): «اعتبر يا مفضل فيما يدبر الإنسان في هذه الأحوال المختلفة، هل يمكن أن تكون بالإهمال؟». إلى أن يقول (عليه السلام): «فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآب؟ إلّا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد كان يجب أن يكون العمد و التقدير يأتيان بالخطإ و المحال، لأنهما ضد الإهمال، و هذا فظيع من القول،