الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٩ - حجّة المقلّدين
قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب، أو حكاية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، و لكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض و كلهم عالم؟ و لعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه.
فإن قال: قلدته لأني أعلم أنه على صواب.
قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب اللّه أو سنة أو إجماع؟
فإن قال: نعم. أبطل التقليد و طولب بما ادعاه من الدليل.
و إن قال: قلدته لأنه أعلم مني. قيل له فقلد كل من هو أعلم منك، فإنّك تجد من ذلك خلقا كثيرا، و لا تحصي من قلدته إذ علتك فيه أنّه أعلم منك.
فإن قال: قلّدته لأنه أعلم الناس.
قيل له: إذا أعلم من الصحابة و كفى بقول مثل هذا قبحا!! إلى أن يقول: و لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد [١].
و على أي حال فإن روح التقليد قد سرت و أشرب قلوب المقلدين حب التعصب للمذهب الذي يتبعونه، و حكموا بخلوّ الأرض من القائمين للّه بحجة، و قالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة.
فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة، و أبي يوسف و زفر بن الهذيل، و محمّد بن الحسن الشيباني، و الحسن بن زياد اللؤلؤي، و هذا قول كثير من الحنفية.
و قال بكر بن العلاء القشيري: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة.
و قال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، و سفيان الثوري، و وكيع بن الجراح، و عبد اللّه بن المبارك.
و قالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي.
و عند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم للّه بحجّة، و لم يبق فيها من يتكلم بالعلم، و لم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب اللّه و لا سنّة رسوله لأخذ الأحكام منها،
[١] أعلام الموقعين ج ٢ ص ١٧٩.