الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨٢ - الدولة العباسية و بداية الضعف
و مع هذا فقد وصفوه بالصلاح و نصرة الدين، و إحياء السنّة، و إماتة البدعة. و قد مدحه ابن الخبازة بقوله:
أطال لنا رب العباد بقاءه* * * سليما من الأهوال غير مبدل
و جامع شمل الدين بعد تشتت* * * و فاري رءوس المارقين بمنصل
و لما مات وضعت المنامات و الأطياف في عظمته، و علو درجته في الجنة، و قام القصاصون و الوعاظ بذلك يقصون أحلامهم لتحقيق أحلامهم.
و مما لا ريب فيه فإن الفرق بين المتوكل و من سبقه من الخلفاء بيّن: فالمأمون لم يكن بالخليفة المستضعف، و المعتصم كان على جانب عظيم من القوة و حسن التدبير، و كرم الخلق، و كذلك ابنه الواثق، فقد كان يجالس العلويين و يحسن إليهم و إلى أهل الحرمين، حتى لم يبق منهم من يسأل الصدقة.
و في أيام المعتصم و الواثق لم يقتطع شيء من جسم الدولة العباسية، و لم يظهر بها أي ضعف، و لكن عهد المتوكل فتح باب الفرقة، و تقلصت أيام العز في بني العباس.
الدولة العباسية و بداية الضعف:
و على كل حال فقد بدأ الضعف في جسم الدولة العباسية في أيام المتوكل، لضعفه في التدبير و السياسة، و إساءته لكثير من طبقات المجتمع، و بالأخص العلويين، و من عرف بموالاتهم، فكانت الرقابة عليهم شديدة، و الحساب عسيرا، فالشيعي في نظر الخليفة و أعوانه مصدر خطر دائم، و تهديد للدولة لا ينقطع.
و قام أنصاره و أعوانه بدور البطولة في القضاء على المذهب الشيعي، و بذلوا كل جهد، و استعملوا كل وسيلة لحصول ذلك الغرض، فراحوا يهولون في انحراف المذهب عن الحق ليغضوا من قيمته، و يشوهوا من جماله، و يستنزلوه من مستواه الرفيع، و ليس من الميسور عليهم حصول ذلك إلّا بعد بذل جهود و مواصلة و دعاية التهويل، ليقربوا ذلك إلى العقول و لطالما سلبت أهواء السياسة من ذوي الفضل فضلهم و من أجلها جردهم أرباب اللؤم عن محامدهم، و قد استطاع المذهب الشيعي أن يتغلّب بقوته الروحية على تلك المقاومات العنيفة، و جاهد جهادا متصلا، فتخطى الحواجز و اجتاز العقبات بتلك القوة، فلا سلطان يعضده، و لا