الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٦٣ - التعصّب للمذاهب
و جعل المسلمين فرقا و أحزابا، يشتم بعضهم بعضا، و قد تحكم التعصّب الطائفي فألقى على العيون غشاوة التمويه و الخداع. و بهذا فقد توالت الحوادث و تعددت الفتن. حتى أدّى ذلك التعصّب أن يجهل بعض الخطباء واجبهم الملقى على عواتقهم: من الدعوة إلى الإصلاح، و الألفة و المحبة، و اجتثاث جذور العداء و التشاحن. عند ما سلكوا طريق الفرقة و نشر الشغب و بث روح العداء. بقيامهم على المنابر يلعنون من خالفهم في مذهبهم، مما أثّر في نفوس العامة تأثيرا دفعهم إلى النهب و التخريب، و حرق المساجد و الأسواق، كما حدث في كثير من البلدان الإسلامية في سنة ٥٥٤ ه و غيرها و مما عظمت به المصيبة و عرّض المجتمع إلى خطر ماحق، لأن صفة الخطباء محلها العلماء و الأخيار الذين ينظر إليهم المجتمع باحترام و تجلّه، و عليهم أن يرعوا رسالتهم الدينية لا أن ينحرفوا هذا الانحراف، و قد أشرنا لذلك بإلمامة موجزة في أبحاثنا السابقة.
إن هذه الأمور المؤلمة هي التي فتحت باب التدخل لأعداء الإسلام في صفوف الأمة ليحاولوا القضاء عليه و الوقيعة بأهله. و بمزيد الأسف أننا نتوارث ذلك الخلاف الذي أوجد الانقسام بيننا، و الفرقة في صفوفنا، فأفقدنا تلك القوة و سلبنا ذلك السلطان الذي انتشر في أرجاء المعمورة، عند ما خفق علم التوحيد فحطّم هياكل الشرك و معابد الوثنية، و نشر العدل على وجه البسيطة، و انبثق نور المحمدية يبدد سحب الظلام. و ينير للإنسانية طريقها. فأشرق وسط حلك الدياجير المظلمة يزيح حواجز الطريق التي تعترض سير قافلة الإنسانية الصاعد، راميا إيصالها إلى ربوع الخير و شاطئ النجاة، ليفرح المسلمون بذلك النعيم، فترفرف السعادة بدنياهم و يعم الرفاه في أرضهم. و المسلمون وسط هذا الرخاء صفا متماسكا.
فهل ندرك أثر ذلك الاختلاف؟ و هل يمكننا أن نعمل لإزالة ما خلّفه من أثر سيئ في المجتمع الإسلامي؟ فلنطو صفحات ذلك التأريخ الأسود، و نتمسّك بتعاليم ديننا، و نسير على منهاجه، تاركين وراءنا خرافات سلف مخدوع و جيل طائش و ترسبات طائفية قذرة.
و لا بد أن تعلو كلمة اللّه و يظهر دين الإسلام على الدين كله و لو كره المشركون. بهذا وعدنا اللّه، و إن اللّه لا يخلف الميعاد.