الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤١ - التطرّف بالتزام المذهب
قال الشافعي: قلت فلم يبق إلّا القياس. و القياس لا يكون إلّا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس [١]؟
هذه هي أقوال الشافعي في أبي حنيفة. و تدلّنا بكل وضوح على بطلان ما نسبوه إليه من أن الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
و كذلك أقوال أحمد بن حنبل في مدح أبي حنيفة، فإن التتبع يرفع الوثوق بها، و قد اشتهر عنه قوله:
إذا رأيت الرجل يتجنّب أبا حنيفة و رأيه و النظر فيه، و لا يطمئن إليه و لا إلى من يذهب مذهبه، و يغلو، و لا يتخذه إماما، فارجو خيره [٢].
و كان يشتد على أصحاب الرأي في استعمال الحيل فيقول: هذه الحيل التي وضعها هؤلاء- أبو حنيفة و أصحابه- عمدوا إلى السّنن فاحتالوا في نقضها. أتوا الذي قيل لهم أنه حرام، فاحتالوا فيه حتى أحلّوه.
و قال أيضا: إنهم يحتالون لنقض سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) [٣].
و سئل أحمد عن مالك فقال: حديث صحيح و رأي ضعيف. و سئل عن أبي حنيفة فقال: رأي ضعيف و حديث ضعيف.
و ما أكثر الشواهد التي تدل على خلاف ما يذهبون إليه من الإفراط و الاندفاع وراء العاطفة، و التمسّك بأشياء بعيدة عن الصواب. فقد كثر الجدل و عظم الخلاف (حتى آل بهم التعصّب إلى أن أحدهم إذا ورد عليه شيء من الكتاب و السنّة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل وسيلة من التأويلات البعيدة، نصرة لمذهبه و لقوله) [٤].
و نقل الرازي عن أكبر شيوخه في تفسير قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أنّه قال: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب اللّه في بعض مسائل، و كانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوها، و لم يلتفتوا إليها،
[١] آداب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي ص ١٥٩- ١٦٠. و مناقب الفخر ص ١٠١. و مناقب مالك للسيوطي و الزواوي ص ١٠- ١٢. و حلية الأولياء ج ٦ ص ٣٢٩. و طبقات الفقهاء ص ٤٢ و غيرها.
[٢] طبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٤٧.
[٣] طبقات الحنابلة ج ٢ ص ١٥١- ١٥٢.
[٤] أبو شامة في مختصر المؤمل ص ١٤- ١٥.