الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣٤ - المحنة
يميل إلى حرية الفكر، و بذلك استطاع المعتزلة أن يواصلوا نشاطهم، فقد كانوا يتحرّقون إلى نشر أصولهم، فوجدوا في المأمون بغيتهم، و نظروا إليه بعين الإكبار؛ لأن الإصلاح الذي يرومونه يتحقق على يديه، فالتفوا حوله، إذ وجدوا فيه ركنا شديدا.
فكان مذهبهم أقرب المذاهب إلى نفس المأمون، فقربهم و أصبحوا ذوي نفوذ في القصر، و كان من أظهرهم ثمامة بن الأشرس، و أحمد بن أبي دؤاد، و كان هو حامل لوائهم إذ رجحت كفته و تولى القضاء، و بقيت هذه المسألة من سنة ٢١٨ ه إلى ٢٣٤ ه و سميت في التاريخ بالمحنة، و هي في الأصل الخبرة.
و استغل المعتزلة الموقف، و اغتنموا فرصة استمالة المأمون و المعتصم و الواثق لهم، فأطلقوا أيديهم في السياسة، فنكلوا بخصومهم، و أذاقوا الناس العذاب، إذ هم لم يقولوا بخلق القرآن، و أقاموا ضجة ليس لها مثيل من محاكم تقام، و يعرض فيها على العلماء و القضاء القول بخلق القرآن، فمن لم يقل عذب و أهين، و سمى المؤرخون هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، و كانت سطوتهم- أي المعتزلة- في ذلك بلغت الذروة، فلما بلغوها أخذوا ينحدرون عنها.
و جاء المتوكل فرأى نارا تقد في كل مكان، و امتحانات و محاكمات، و ضربا، و نفيا، و تشريدا، و الرأي العام ساخط على هذه الحالة، و من لم يقل بخلق القرآن و تحمّل العذاب عدّ بطلا.
فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام، و أن يكتسب تأييده، فأبطل القول بخلق القرآن، و أبطل الامتحانات و المحاكمات، و نصر المحدثين [١].
اتسع الأفق أمام المعتزلة، و واصلوا نشاطهم العلمي و السياسي، عند ما عزل يحيى بن أكثم عن منصب قاضي القضاة سنة ٢١٧ ه و تولى مكانه ابن أبي دؤاد، و هو كبير المعتزلة و في رعيلهم الأول، و في سنة ٢٠٦ ه مات يزيد بن هارون، و كان هو و يحيى بن أكثم يحولان بين المأمون و بين إظهار القول بخلق القرآن، فقد جاء في تصريح للمأمون قال فيه: (لو لا يزيد بن هارون [٢] لأظهرت القول بخلق القرآن).
[١] ظهر الإسلام ج ٤ ص ٨.
[٢] يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي، المتوفى سنة ٢٠٦ ه كان من الحفاظ و العلماء المشهورين، قال علي بن المديني: ما رأيت رجلا قط أشهر من يزيد بن هارون. و كان له مكانة في المجتمع و أثر في قلوب الناس.