الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣٦ - أدوار المحنة
(إن خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين و إقامته، و العمل بالحق في الرعية، و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشو الرعية، و سفلة العامة، ممن لا نظر له و لا روية، و لا استدلال له بدلالة اللّه و هدايته، و لا استضاء بنور العلم و برهانه، في جميع الأقطار و الآفاق أهل جهالة باللّه و عمى عنه، و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده، و الإيمان به، و نكوب عن واضحات أعلامه، و واجب سبيله، و قصور عن أن يقدروا اللّه حق قدره، و يعرفونه كنه معرفته، و يفرقوا بينه و بين خلقه، لضعف آرائهم و نقص عقولهم، و جفائهم عن التفكر و التذكّر، و ذلك أنّهم ساووا بين اللّه تبارك و تعالى و ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين على أنه (أي القرآن) قديم أزلي لم يخلقه اللّه و يحدثه و يخترعه.
و قد قال اللّه عزّ و جلّ في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء، و للمؤمنين رحمة: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فكل ما جعله اللّه فقد خلقه.
و قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ.
و قال عز و جلّ: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ.
فأخبر أنه قصص لأمور قد أحدثها، و تلا به متقدمها، فقال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ و كل محكم مفصل، و اللّه محكم كتابه و مفصله، فهو خالقه و مبتدعه، ثم همّ الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، و نسبوا أنفسهم إلى السنّة، و في كل فصل من كتاب اللّه قصص من تلاوته، مبطل قولهم و مكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم و نحلتهم، ثم أظهروا ذلك أنّهم أهل الحق و الدين و الجماعة، و أن من سواهم أهل الباطل و الكفر و الفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، و غرّوا بهم الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب، و التخشع لغير اللّه، و التقشف لغير الدين، إلى موافقتهم عليه، و مواطأتهم على سيئ آرائهم، تزينا بذلك عندهم، و تصنعا للرئاسة و العدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، و اتخذوا دون اللّه وليجة إلى ضلالتهم).
ثم ذكر أن هؤلاء قد زكوا أمثالهم، و قبلت شهادتهم، و نفذت الأحكام بهم، مع دغل دينهم و فساد عقيدتهم:
(و أولئك شرّ الأمة، و رءوس الضلالة المنقرضون من التوحيد، و أحق من يتهم