الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣٧ - أدوار المحنة
في صدقه و تطرح شهادته، و لا يوثق بقوله و لا عمله، فإنه لا عمل إلّا بعد يقين، و لا يقين إلّا بعد استكمال حقيقة الإسلام و إخلاص التوحيد).
ثم قال: (فاجمع من بحضرتك من القضاة، و اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، و تكشيفهم عما يعتقدون في خلق اللّه القرآن و إحداثه، و أعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، و لا واثق فيما قلده اللّه و استحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، و خلوص توحيده و يقينه، فإذا أقروا بذلك ... فمرهم و من بحضرتهم من الشهود على الناس، و مسألتهم من علمهم في القرآن و ترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ... و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء اللّه).
فكان هذا الكتاب خطوة أولى لامتحان الرعية في انصياعهم و تسليمهم لما ينتحله من هذه المقالة، التي يرى القيام بها واجبا عليه، لأن ذلك يستلزم تصحيح عقائد الناس، و لا سيما إذا تغلغل الفساد إلى أصل من أصول الدين، كالإشراك مع اللّه شيئا آخر و هو القرآن، و بهذا لا يصح أن يستقضى من ضعفت عقيدته، و لا تقبل شهادته، إذ لا يوثق بمن ضعف إيمانه، و لا سلطان لمن لا تصح عقيدته و إشراك في توحيده، فهو غير مأمون من الظلم و الحيف على الرعية و السلطان مسئول عنه أمام اللّه.
و هذه الخطوة مقصورة على التوعيد و العزل عن القضاء، و عدم قبول شهادة من لا يتبع رأي الخليفة، فلا تعذيب و لا تنكيل، فهو يحاول الإصلاح بهذه الأمور، و إن تعذر ذلك فإنه يستعمل القوة.
و أرسل نسخة من الكتاب إلى مصر، و كان قاضيها يومئذ هارون بن عبد اللّه الزهري، فأجاب لذلك، كما أجاب الشهود المعتمدون، و من توقف منهم أسقطت عدالته، و أبطلت شهادته.
و قد أصدر المأمون أمرا عاما يأخذ الناس بالمحنة في كافة أرجاء المملكة الإسلامية، ففي سنة ٢١٨ ه ذهب المأمون بنفسه إلى دمشق، و ربما كان في طريقه و هو ذاهب إلى حملته الأخيرة على آسيا الصغرى. و هناك في دمشق أشرف بنفسه على امتحان الفقهاء و العلماء، في مسائل حرية الإرادة، و وحدانية الذات الإلهية، أي العدل و التوحيد، و عنده أن عقيدة التوحيد تعد اختبارا يؤدي إلى القول بخلق القرآن، و بذلك سمى المعتزلة أنفسهم أهل التوحيد و العدل.