الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٦ - ولاية الإمام الشّافعي
و هنا يحدّثنا الشّافعي عن انتقاد مالك له بحمله الكتاب من الوالي و تأثّره من ذلك، يقول الشّافعي: إن مالكا عند ما قرأ الكتاب رمى به من يده، ثم قال: سبحان اللّه أو صار علم رسول اللّه يؤخذ بالوسائل؟. فأجابه الشافعي معتذرا و أخبره بقصته.
اتصل الشّافعي بمالك و أخذ عنه و قرأ الموطأ، و لا نعرف بالضبط متى كان قدوم الشّافعي إلى المدينة و حضوره عند مالك، و كم كانت سنّه يوم ذاك. و الأخبار مضطربة مشوشة جدا لا نكاد نلمس الواقع منها، فالحكايات الواردة عن الشّافعي مختلفة. فمرة أنه اتجه لمالك بعد عودته من البادية، و أخرى بعد وفاة خالد الزنجي.
و على أي حال: فالمحصل من مجموع الروايات أنه قدم على مالك و قد تجاوز عمره الثلاثين سنة. و ما يرويه ابن حجر في مناقب الشّافعي أنه حضر عند مالك و عمره ثلاث عشرة سنة هو خطأ بيّن و نقل بدون تثبّت، إذ لا خلاف بأن وروده على مالك كان بعد عودته من البادية، و قد مكث فيها مدة تزيد على خمس عشرة سنة.
و من المحقق أن ملازمته لمالك كانت أربع سنوات، و توفي مالك سنة ١٧٩ ه فيكون عمر الشّافعي ٢٩ سنة. و بقي الشافعي بعده في ضنك من العيش، و بسبب ذلك كانت رحلته إلى اليمن مع و إليها و ليس له ما يستعين به من المال، فرهن داره و أخذ ثمنها.
ولاية الإمام الشّافعي:
نشأ الشّافعي يتيما في حجر أمه كما تقدم، و لما اتصل بمالك اتسعت حاله بواسطته، لأنّه كان يرعاه و يقوم بشئونه، فلما توفي مالك سنة ١٧٩ ه اشتد الأمر عليه و ضاقت حالته، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة، فكلّمه بعض القرشيين في أن يصحبه. فأخذه ذلك الوالي معه و استعمله في أعمال كثيرة [١] فبقي في العمل خمس سنوات، و بهذه المدة كان متجها للعمل و الولاية، و خمد ذلك النشاط الذي في نفسه نحو الاتجاه لطلب العلم، لأنه مشغول في تدبير شئون السلطان و معاملة الناس إلى سنة ١٨٤ ه و هي السنة التي قدم فيها لبغداد المرة الأولى بسبب المحنة و اتهامه بالميل للعلويين. و أن مطرفا كتب إلى الرشيد: إن أردت اليمن لا تفسد عليك، فأخرج محمّد بن إدريس. فحمل إلى بغداد، و قد جاء عن الشّافعي: أنه نقل من اليمن إلى ولاية نجران فأحسن السيرة هناك.
[١] مناقب الفخر الرازي ص ١٠.