الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٣ - نشاط العلماء و تأييد الدولة
حد لا يسمح بتحديده تحديدا دقيقا. و أصبح الزنديق الواقعي آمنا إن أمنت السلطة سطوته.
و هذا ما حمل الكثيرين من الكتّاب على إيجاد رابطة بين الزندقة و بين التحرر الفكري و النقد للأوضاع، ذهولا منهم عن التوصل إلى الحقيقة، و قصورا عن معرفة الأسباب، التي جعلت الانتساب إلى التشيع دليلا على الزندقة، و داعيا إلى الاتهام بها، و لا شيء هناك إلّا عدم ارتباط العقائد بالدولة، و إن انفصالهم الروحي و عدم امتزاجهم بالسلطان و أعوانه لأكبر دليل على الاستهانة بتوجيه الأسباب التي توجب اتهامهم بذلك. و أهم شيء اتهامهم بسب الشيخين، فإن هذه التهمة هي فوق جريمة الإلحاد، فإن المتهم بالزندقة تقبل توبته، أما المتهم بهذه التهمة فلا تقبل توبته، و يحكم بكفره و إلحاده مع إيمانه باللّه و رسوله و إقامة الفرائض، و لكن للسياسة حكم فوق ما يثبته الواقع و يقرّه الحق، إذ هي عمياء لا تبصر، و لهذه المشاكل كان ذلك العصر يموج بحوادث لها أهميتها في تاريخ الإسلام.
نشاط العلماء و تأييد الدولة:
و كان من أهم مظاهر ذلك العصر انصراف علماء الإسلام إلى دراسة العلوم المختلفة، كما اتسعت حركة التأليف، و زاد نشاط العلماء في تدوين علوم الإسلام، و رتبوا أبواب الفقه و أنواع الحديث. و كان الخلفاء- مع انغماسهم في الشهوات و الترف و ارتكابهم المحرمات- يتظاهرون بخدمة العلماء، و يتحلون بالنزعة الدينية، و بهذا تمكنوا من استخدام رجال منهم وسيلة لتوطيد استبدادهم، و ذريعة لإخضاع العامة لهم، و أنهم ملزمون بإطاعة السلطان إطاعة عمياء، و أن تصرفه لا يجوز الاعتراض عليه، و إن انحرف عن حدود طاعة اللّه؛ و بهذا وقع تطور أوجد مشاكل خطيرة، فكانت في ذلك العصر للفقهاء و المحدثين درجات عالية عند الخلفاء، و قد كثر الجدل و النقاش في أهم المسائل الفقهية، كما كثر في العقائد و المسائل الكلامية.
كما و قد اشتدت قضية أهل الرأي و أهل الحديث، و أصبح لكل جانب أنصار، و هم يقيمون الحجج و البراهين على ما يذهبون إليه. إلى غير ذلك من مميزات ذلك العصر الذي نشأ فيه الشّافعي.
كما و قد أثيرت هناك مسائل كثيرة تتعلق بالتوحيد و بالصفات. و رؤية اللّه بالابصار، و غيرها من المسائل ذات الأهمية في ذلك العصر. كالبحث حول الحديث