الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٣ - نواة المدرسة و تاريخ نشأتها
و من بعده انتقلت رئاسة المدرسة لولده زين العابدين الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) و هو أورع أهل زمانه و أتقاهم، و أعلم الأمة. و قد اشتدت الرقابة عليه من قبل الأمويين بصورة لا مجال لأحد أن يتظاهر بالانتماء لتلك المدرسة، إلّا من طريق المخاطرة و المغامرة. و مع هذه الشدة و تلك الرقابة فقد كان سيرها محسوسا و كفاحها متواصلا و خرّجت عددا وافرا من علماء الأمة، الذين أصبحوا مرجعا للأحكام و مصدرا للأحاديث.
و على عهد الإمام زين العابدين و تحت وطأة السياسة الوحشية و الجور الأموي بدأت مرحلة جديدة إذ كان الإمام علي بن الحسين أمام أمرين: إما أن يبقي نفسه لمواصلة الرسالة و الاضطلاع بأعباء الولاية الشرعية، و إما أن ينجرّ لمّا تعمل من أجله أمية للقضاء على آل محمّد و قتله بعد إذ نجّاه اللّه بآية باهرة و حكمة بالغة و اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
و هكذا كان عهد ولده الإمام الباقر (عليه السلام) من بعده في أول الأمر، و لكن ما أن دب الضعف في جسم الدولة الأموية، حتى بعث النشاط في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فقام الإمام الباقر بواجبه، و نشر معالم الإسلام و أحيا مآثر السنّة، فكانت حلقة درسه في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مسجد مكة «ابن ماحل» هي أعظم حلقات الدروس. و لما جاء عصر الإمام الصّادق و كان أزهر العصور، اتّسع فيه نطاق الحركة العلمية و نشأت المدارس الإسلامية، و كان في كل بلد عالم يرجع إليه، و كانت مدرسة الإمام الصّادق في المدينة جامعة إسلامية كبرى، تشد إليها الرحال، و ترسل إليها البعثات من سار الأقطار الإسلامية لانتهال العلم إذ وجدوا عنده ضالتهم المنشودة و غايتهم المطلوبة، و لم يذكر التاريخ لنا أنه سئل عن شيء فأجاب: بلا أدري، أو أن مناظرا قطعه، بل كان هو المتفوق في كل علم، و المحلق في كل مناظرة، و اشتهر عنه أنه كان يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني فإنّه لا يحدثكم أحد بمثل حديثي» [١].
و كيف لا يكون كذلك؟ و هو وارث علم جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اشتهر عنه هذا القول، و لم يستطع أحد أن يقول ذلك إلّا أفحم، و علي هو باب مدينة علم الرّسول لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أنا مدينة العلم و علي بابها».
[١] تذكرة الحفاظ ج ٢ ص ١٥٧.