الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢ - نواة المدرسة و تاريخ نشأتها
و
تركت مدحي للوصي تعمدا* * * إذ كان نورا مستطيلا كاملا
و إذا استطال الشيء قام بنفسه* * * و صفات ضوء الشمس تذهب باطلا
و لما انتقل علي (عليه السلام) إلى جوار ربّه تزعّم الحركة العلمية و ترأس المدرسة الإمام الحسن (عليه السلام) سبط الرّسول، و ريحانته، فكان (عليه السلام) محطا لآمال الأمة، و مرجعا لأحكامها. و لكن الظروف القاسية و الحوادث المتتابعة في عهد معاوية لم تسمح للمدرسة أن تتقدّم على الوجه المطلوب، و سارت بخطى ثقيلة، لأنّها قابلت جور معاوية بكل ما لديها من قوّة في إعلان الغضب عليه، و قد قابلها بسياسة لا تعرف الرحمة، و شدة لا تعرف الهوادة، حتى أريقت دماء بعض المنتمين إليها، و هدمت دورهم. كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الإصلاح.
و جاء دور الحسين بن علي (عليه السلام) و هو أعظم الأدوار و أهمّها. و معاوية قد عظمت شوكته و امتدّ سلطانه، و كثر بطشه و فتكه، و تلاعب بالأحكام و حرّف الكلم عن مواضعه، و أخذ يتتبع رجال الفكر و خيار الأمّة، و يقتلهم تحت كل حجر و مدر.
و مهّد الأمر لابنه يزيد- و هو الفاسق الذي لا يختلف اثنان على حق في إجرامه و كفره- فأصبح خليفة للمسلمين، و إماما يتربع على عرش الخلافة الإسلامية، (و هو الفاسق المستهتر الذي أباح الخمر و الزّنا و حط بكرامة الخلافة إلى مجالسة الغانيات، و عقد حلقات الشرب في مجلس الحكم، و ألبس الكلاب و القرود جلاجل من ذهب، و مئات من المسلمين صرعى الجوع و الحرمان) [١].
و أصبحت الأمة الإسلامية في حالة سيئة، لم يسهل احتمالها على نفوسهم.
فعمّ التأثّر جميع البلاد، حتى لم يجد الحسين (عليه السلام) طريقا للسكوت. فنهض منتصرا للحق، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، حتى أريق في ذلك دمه، و استبيح حرمه، فكانت نهضته صرخة داوية ترددها الأجيال من بعده، و تلقي عليهم دروس التضحية و التفاني في سبيل إنقاذ الأمة من براثن الظّلمة، و كانت منهجا لثورات إصلاحية مرّت عليها الأجيال من بعده، اقتداء به، و عملا بدروسه القيّمة، فسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا [٢].
[١] الثائر الأول في الإسلام لمحمّد عبد الباقي ص ٧٩.
[٢] من وحي ذكرى الطف و مواسم إحياء الثورة الحسينية كتبنا «مع الحسين في نهضته» الذي هيأناه بإضافات و تنقيحات لطبعته الثانية إن شاء اللّه.